مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
منذ تأسيسها قبل أكثر من 242 عاماً، ظلت السليمانية مدينةً تحمل روح التحدي والحياة. فقد تأسست المدينة الحديثة في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1784 على يد الأمير الكوردي إبراهيم باشا بابان، لتكون عاصمةً لإمارة بابان، وحملت اسمها تخليداً لذكرى والده سليمان باشا.
لم تكن السليمانية مجرد مدينة، بل أصبحت على مر العقود مركزاً للفكر والثقافة والإبداع، حتى استحقت لقب العاصمة الثقافية لكوردستان. كما عُرف أهلها بكرم الضيافة، والانفتاح، والتسامح، وحبهم للعلم والثقافة.
وعلى امتداد تاريخها، كان للسليمانية حضور بارز في مسيرة النضال الكوردي، فقد لعبت دوراً محورياً في ثورة الشيخ محمود الحفيد، الذي حمل راية استقلال كوردستان، وكان لأبناء المدينة دور كبير في دعمه واستقبال القائد الخالد ( مصطفى بارزاني) ورفاقه خلال مراحل مختلفة من الكفاح.
وفي ثورة أيلول خلال ستينيات القرن الماضي، لم يكن أبناء السليمانية مجرد مشاركين، بل كانوا من أبرز قادة الثورة ومقاتليها، وأسهمت المدينة وضواحيها في تقديم تضحيات جسيمة دفاعاً عن الحقوق القومية والحرية.
وخلال حكم النظام السابق، دفعت السليمانية ثمناً باهظاً لمواقفها الوطنية؛ فقد استشهد وأُعدم وسُجن المئات من أبنائها، وتعرضت المدينة وأهلها لأقسى أشكال القمع والاضطهاد.
وعندما اندلعت انتفاضة آذار 1991، كانت السليمانية في طليعة المدن التي انتفضت ضد نظام البعث، وأسهمت بشكل حاسم في نجاح الانتفاضة التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ إقليم كوردستان.
واليوم، وبعد أكثر من 35 عاماً على الانتفاضة، لا تزال السليمانية تحتفظ بروحها المقاومة وإرادتها الصلبة. لكن المدينة تواجه في الآونة الأخيرة تحديات خطيرة، تمثلت في تكرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، التي تهدد أمن المواطنين واستقرارهم، وتثير تساؤلات مشروعة لدى الجميع.
فلماذا السليمانية مستهدفة؟
هل لأنها مدينة تمتلك موقعاً جغرافياً مهماً؟ أم لأنها تمثل مركزاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً مؤثراً؟
أم لأنها بقيت مدينةً تنبض بالحياة، رغم كل ما مرت به من حروب وأزمات؟
مهما اختلفت التفسيرات، فإن الحقيقة الثابتة هي أن الضحية الأولى في أي اعتداء هم المدنيون الأبرياء، الذين يتطلعون إلى العيش بأمن وسلام، بعيداً عن الصراعات والحروب.
لقد عُرفت السليمانية عبر تاريخها بأنها مدينة التعايش والانفتاح، ولم تكن يوماً مدينةً تسعى إلى الاعتداء على أحد. ولذلك فإن استهدافها المتكرر يثير القلق، ويستوجب موقفاً وطنياً موحداً، وتحركاً مسؤولاً لحماية المدنيين وصون أمن المدينة، مع احترام القانون الدولي ورفض أي اعتداء يهدد حياة الأبرياء.
لقد آن الأوان لأن يُطرح هذا السؤال بصوتٍ عالٍ أمام الجميع: لماذا السليمانية مستهدفة؟