بين زمن الخبر العابر وخلود الحرف.. كيف يعيش ضياء الأسدي صراع الإبداع؟

حوار :عطا درغام

في المشهد الثقافي والإعلامي العراقي المعاصر، يبرز اسمالشاعر والصحفي ضياء الأسدي كواحد من الأصوات الأدبيةوالإعلامية الملتزمة التي نجحت في المزاوجة بين قلق الكتابةومسؤولية الحبر. استهل الأسدي مسيرته الصحفية بالتنقل بينمنابر إعلامية عراقية مرموقة، حيث رفد جريدةطريق الشعبلسنوات بطروحاته، قبل أن يستقر في شبكة الإعلام العراقيليتولى مسؤولية الإشراف على صفحة الأدب الشعبي في جريدةالصباحالرسمية؛ محولاً إياها إلى منصة حيوية لدعم وتوثيقالنتاجات الأدبية، ونافذة حقيقية لاكتشاف وتمكين المواهبالشبابية من مختلف المحافظات.

وإلى جانب عطائه الصحفي اليومي، يمتلك الأسدي حضوراًشعرياً لافتاً وثقته مجموعته الشعريةأيان ترتكب الرحيل،بالإضافة إلى رصيد غني من القراءات النقدية والمقالات المنشورةعربياً، مما أهّله لتمثيل الصوت الثقافي العراقي في محافلومهرجانات أدبية بارزة امتدت عبر عواصم عربية متعددةكالقاهرة، وتونس، والرباط، وعمّان، والجزائر، ودمشق.

يجمع الشاعر والصحفي العراقي ضياء الأسدي بين مهنتيالصحافة والشعر في علاقة تخادم وتبادل إبداعي، حيث يرى أنالصحافة توقظ الواقع وتمنح القصيدة كثافتها. ويوازن الأسديبين توثيق اللحظة الآنية في العمل الصحفي وبين طموح الشعرللخلود، مستخدماً رقابة صارمة على نصوصه لضمان تجسيدالمعنى الفني.

بين صخب المطابع وعجلة الأخبار التي لا تتوقف، وبين هدوء الليلوانبثاق القصيدة، يقف ضيفنا ليصنع من الحبر جسراً يربط بينواقع الصحافة اليومي وأفق الإبداع الشعري. هو ليس مجرد ناقلللحدث، بل شاعراً يرى تفاصيل الحياة بعين مختلفة، وإعلامياًطوّع الحرف ليخدم الكلمة الصادقة عبر منصات مهمة كـطريقالشعبوالصباح“.

في هذا الحوار، نلتقي بالشاعر والإعلامي العراقي ضياءالأسدي، لنبحر معه في عوالم تتقاطع فيها ملاحقة اللحظة الآنيةبطموح الخلود الأدبي، ونكتشف كيف يحمي قصيدته من جفافالمانشيتات الصحفية، وكيف يصنع من التناقض اليومي وعياًإبداعياً خالصاً.

س: بصفتك صحافياً فيالصباحأوطريق الشعبوشاعراً في آن واحد، من منهما يسرق الوقت والأفكارمن الآخر، وكيف تحمي قصيدتك من جفاف اللغةالصحافية؟

ج:ليس بوسعي هنا سوى القول إن ثمة علاقة تخادم خفي بينالصحافة والشعر، لا صراع بينهما. حين تحتدم اللغة فيالقصيدة، أشعر بأنها تفرش رمال ضفافها أمامي لأكتب مقالاًأكثر حيوية وعمقاً، فيما تمنحني الصحافة يقظة دائمة تجاهالواقع والتفاصيل. لذلك لا تسرق إحداهما الأخرى، بل تتبادلانالوقت والأفكار، وتغني كل منهما الأخرى.

س:هل حدث أن قمت بتغطية تحقيق صحافي إنساني،وهزّك بعمق لدرجة أنه رفض أن يخرج كتقرير، وتحولرغماً عنك إلى قصيدة؟

ج:كثيراً ما يحدث معي ذلك. بعض الوقائع الإنسانية تكون أعمقمن أن تُختزل في تقرير صحافي جاف، فتوقظ داخلي الشاعرقبل الصحافي. وأحياناً أترجم ذلك الإحساس إلى قصيدة،لكنني غالباً ما أُفرغ شحنة عاطفتي في مقدمة التحقيق، فأجعلهاتقترب من الشعر، من دون أن تفقد مهنيتها أو تنحرف عنالحقيقة التي أنقلها.

س:الصحافة تعيش على ملاحقة اللحظة الآنية ويموتالخبر غداً، بينما الشعر يطمح للخلود. كيف يعيشضياء الأسدي بين هذين الزمنين المتناقضين يومياً؟

ج: نحن في الصحافة نكتب للنسيان كما يشاع ومفهوم .. لكنالقصيدة هي الأبقى تحوم في خلد العاشقين وتتنفس الحروفكلما يتقدم بها العمر .. لذلك ماتبقى من الشعراء قصائدهم ولمتبق أبدا مقالات الصحافيين، أعيش هذا التناقض بوعي كامل،من دون أن أراه صراعاً.

في الصحافة نكتب للحظة، ونلاحق ما يحدث الآن، لذلك ما يُقالإننا نكتب للنسيان قول يحمل الكثير من الحقيقة، لأن الخبر يؤديوظيفته ثم يفسح المجال لخبر آخر.

أما القصيدة، فهي ابنة الزمن الطويل؛ لا ترتبط بموعد نشر ولابتاريخ انتهاء صلاحيتها، بل تظل تحوم في ذاكرة العاشقين،وتتنفس حروفها كلما تقدم بها العمر.

لذلك بقي من كبار الشعراء شعرهم، بينما نادراً ما بقيت مقالاتالصحافيين. الصحافة توثق العمر، أما الشعر فيمنحه فرصةأخرى ليبقى ويُقرأ كلما احتاج الإنسان إلى الجمال.

س:لو وضعت نفسك في مكان الرقيب على قصائدك، ماهو السطر الشعري الذي حذفته من مجاميعك السابقةلأنك شعرت أنهصادق أكثر من اللازم”

ج: لا أتذكر سطراً بعينه، لكنني محوت الكثير من النصوصوالعبارات من قصائدي، ليس لأنها كانت صادقة أكثر من اللازم،بل لأنني شعرت أنها لم تُجسّد المعنى الحقيقي للنص كما أطمحإليه.

أنا رقيب صارم على كتابتي، وأؤمن أن الشاعر لا يكتفي بحرارةالشعور، بل عليه أن يمنحه شكله الفني الأكثر اكتمالاً. لذلك، كلماأنهيت نصاً، أعود إليه مرات عديدة، وأقرأه بعين المتلقي لا بعينكاتبه، وأصغي إليه بصرامة الناقد، حتى إذا أقنعني بقي، وإنخذلني حذفته بلا تردد.

 

قد يعجبك ايضا