أنفال البارزانيين.. الجرح الذي لم يندمل وقصة الرمز الذي لم يُكسر

رمزي ميركاني

تمرُّ الذكرى السنوية لعمليات أنفال الكورد البارزانيين، حاملةً معها ثقل التاريخ ووجع الذاكرة التي تأبى النسيان. ففي صبيحة الحادي والثلاثين من تموز عام 1983، لم تكن تلك مجرد عملية عسكرية روتينية لنظام البعث المقيت، بل كانت تدشيناً وحشياً لمشروع “الإبادة الجماعية” الذي استهدف الوجود الكوردي في جوهره. في ذلك اليوم، تحول مجمع “قوشتةبة” القسري إلى مسرحٍ لواحدة من أبشع الجرائم الإنسانية، حيث حوصر الآلاف من المدنيين العزل، ليُقتلع ثمانية آلاف إنسان من جذورهم، لا لذنبٍ ارتكبوه، بل لأنهم يحملون اسم “بارزان”؛ الاسم الذي أرّق مضاجع الطغاة لعقود.

بدأت المأساة بخديعة كبرى، حيث سيقت الحافلات بدعوى نقل الرجال لحضور اجتماع، لكن الحقيقة كانت مخبأة في نوايا قادة النظام الذين أشرفوا ميدانياً على العملية، وعلى رأسهم برزان التكريتي وعدنان خير الله. انتُزع الرجال والفتيان الذين لم تتجاوز أعمار بعضهم العاشرة من أحضان أمهاتهم، لتبدأ رحلة التغيب القسري. من كركوك إلى معسكرات تكريت، وصولاً إلى زنازين سجن (أبو غريب) المظلمة، حيث تجلت وحشية النظام في أبشع صورها؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى استخدام المعتقلين كمصدر لسحب الدماء قسراً لتمويل جرحى الحرب العراقية الإيرانية، في انتهاك صارخ لكل الأعراف البشرية.

لم يكتفِ النظام بالاعتقال، بل حوّل أجساد البارزانيين إلى مختبرات تجارب للأسلحة الكيميائية في (وادي عكاشات) على الحدود السورية، حيث نُقل المئات لاختبار مدى فتك الغازات السامة بالبشر. أما البقية، فقد كان مصيرهم رصاصات الغدر في عمق صحراء السماوة و(بصية). لقد ظلت تلك الأرواح هائمة في الفراغ لعقود، حتى بدأت الأرض تنطق بأسرارها بعد عام 2003، حين كشفت المقابر الجماعية عن رفات مئات الضحايا الذين دُفنوا بملابسهم، شاهدين على لحظة الغدر التي غيبتهم عن الحياة.

إن اختيار النظام البعثي لقتل الرجال وإبقاء النساء لم يكن عشوائياً، بل كان سياسة (فرعونية) مدروسة تهدف إلى تجفيف المنابع البشرية للبارزانيين وكسر إرادتهم الاجتماعية. لقد أرادوا تحويل مجمعاتهم إلى سجون مفتوحة تفتقر لأدنى مقومات الحياة من ماء وكهرباء وعمل، مانعين حتى الصغار من المدارس. وفي تلك الظلمة، برزت عظمة المرأة البارزانية التي تحملت عبء إعالة الأيتام، واضطرت حتى لحفر القبور ودفن الموتى بيديها في غياب الرجال، مسنودةً بشهامة أهالي أربيل الذين خاطروا بحياتهم لكسر الحصار وإيصال المؤن لتلك العائلات المنكوبة.

منطقة بارزان لم تكن مجرد جغرافيا، بل كانت القلب الرمزي للحركة التحررية الكوردية بقيادة الخالد ملا مصطفى بارزاني. كان النظام يتوهم أن إبادة البيئة الحاضنة لهذا الرمز سيؤدي إلى وأد القضية الكوردية برمتها. لذا، كانت أنفال 1983 هي البروفة الدموية التي سبقت حملات الأنفال الكبرى في 1988 وقصف حلبجة. لقد أراد الطاغية إرسال رسالة رعب لكل الكورد، لكنه لم يدرك أن دماء الضحايا ستتحول إلى وقودٍ يشعل نار الحرية لاحقاً.

ورغم صدور قرارات المحكمة الجنائية العراقية العليا التي اعتبرت ما جرى (إبادة جماعية) وجريمة ضد الإنسانية، إلا أن العدالة لا تزال تنشد الكمال. إن رحيل الطغاة بالإعدام السريع غيّب الكثير من المعلومات حول مصير آلاف المفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر خبراً أو رفاته ليوارى الثرى في موطنه. إن استذكار هذه الفاجعة ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو واجب وطني لترسيخ قيم الديمقراطية ومنع تكرار مثل هذه المآسي بحق أي مكون عراقي.

ختاماً، إن أنفال البارزانيين ستبقى صفحة سوداء في سجل البعث، وصفحة بيضاء في سجل الصمود الكوردي. لقد رحل الجلادون وبقيت بارزان، وبقيت أرواح الثمانية آلاف شهيد منارة تذكر العالم بأن إرادة الشعوب أقوى من المدافع، وأن الحق المطالب به لا يموت، مهما طال أمد الغياب أو غطت رمال الصحراء أجساد الضحايا. إنها ذكرى الألم الذي صنع الأمل، والجرح الذي تحول إلى رمز للوجود والكرامة.

قد يعجبك ايضا