* ماهين شيخاني.
قراءة في التحولات العراقية ورسائل الشرق الأوسط الجديد
في السياسة، ليست كل زيارة بروتوكولية مجرد مصافحة أمام عدسات الكاميرات، كما أن كثيراً من الأحداث الكبرى تبدأ بخطوات تبدو عادية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس حزب “تقدم” محمد الحلبوسي إلى هولير ولقائه بقيادة إقليم كوردستان في أواخر تموز/يوليو 2026 باعتبارها نشاطاً سياسياً اعتيادياً، بل باعتبارها رسالة تحمل أبعاداً تتجاوز حدود العراق لتلامس مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط بأسره.
فالزيارة جاءت في لحظة تتقاطع فيها عدة متغيرات؛ حكومة اتحادية جديدة في بغداد تسعى إلى تثبيت أركانها، وإقليم كوردستان يحاول إعادة ترتيب علاقاته الداخلية والخارجية، ومنطقة تعيد تعريف أولوياتها من الصراع العسكري إلى المصالح الاقتصادية.
وسط هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
هل نحن أمام ولادة مرحلة سياسية جديدة، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة القديمة؟
التكتيك يتغير… أما الاستراتيجية فتبقى
السياسة لا تعرف الثبات، لكنها أيضاً لا تنقلب بالكامل مع كل حدث.
فالعراق ما يزال محكوماً بالدستور نفسه، وبالتوازنات القومية والطائفية ذاتها، وبطبيعة النظام الاتحادي الذي يقوم على الشراكة بين المكونات.
لكن الذي تغير بالفعل هو أدوات إدارة هذه التوازنات.
لقد أدركت القوى السياسية أن استمرار القطيعة لم يعد يخدم أحداً، وأن المنطقة تدخل مرحلة يصبح فيها الاقتصاد أهم من الشعارات، والاستقرار أكثر قيمة من الصدام.
ومن هنا يمكن فهم التقارب بين هولير والحلبوسي.
إنه ليس تحالفاً عاطفياً، ولا عودة إلى اصطفافات سابقة، بل محاولة لبناء شبكة مصالح جديدة تحمي الجميع في مواجهة مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
من السياسة إلى الاقتصاد
قبل سنوات، كانت الخلافات تدور حول الهوية والطائفة.
أما اليوم، فإن الملفات الأكثر حساسية أصبحت مختلفة تماماً.
لم يعد السؤال:
من يحكم؟
بل أصبح:
من يسيطر على طرق التجارة؟
ومن يدير الطاقة؟
ومن يضمن تدفق الاستثمارات؟
ومن يمتلك القدرة على حماية الممرات الاقتصادية؟
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة “الجيو-اقتصاد”، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية هي المحرك الأول للتحالفات، بينما تراجعت الشعارات الأيديولوجية إلى الخلف.
العراق في قلب المشروع الجديد
لم يعد العراق مجرد ساحة صراع إقليمي.
بل يتحول تدريجياً إلى عقدة مواصلات تربط الخليج بتركيا وأوروبا.
ومشروع طريق التنمية ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل مشروع لإعادة تعريف موقع العراق في الاقتصاد العالمي.
وهذا يفرض على القوى السياسية العراقية البحث عن توافقات جديدة، لأن أي صراع داخلي سيهدد مشروعاً تراهن عليه دول عديدة.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى تفاهم أكبر بين بغداد و هولير، وبين المكونات العراقية المختلفة.
لماذا يقترب الحلبوسي من هولير؟
الإجابة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالجغرافيا السياسية.
فالقوى السنية تدرك أن أي توازن داخل العراق لا يمكن تحقيقه من دون شراكة حقيقية مع الكورد.
كما أن إقليم كوردستان يدرك أن تثبيت حقوقه الدستورية يحتاج إلى تحالفات داخل بغداد، وليس إلى الاكتفاء بالدعم الخارجي.
لذلك يبدو هذا التقارب أقرب إلى إعادة بناء ميزان القوى داخل الدولة الاتحادية.
الكورد… من ورقة إقليمية إلى شريك في صناعة الاستقرار
لسنوات طويلة جرى التعامل مع القضية الكوردية باعتبارها مجرد ورقة تستخدمها القوى الدولية في صراعاتها.
لكن الوقائع أثبتت أن هذا التصور لم يعد دقيقاً.
فإقليم كوردستان أصبح لاعباً مؤثراً في ملفات الطاقة، والاستثمار، والأمن، والعلاقات الدولية.
وأصبحت استقراره مصلحة إقليمية ودولية، وليس مطلباً كوردياً فقط.
ولهذا فإن القوى الكبرى لم تعد تنظر إلى الكورد باعتبارهم مجرد أداة ضغط، بل باعتبارهم شريكاً في الحفاظ على استقرار العراق والمنطقة.
لكن الخطر الحقيقي ما زال في الداخل
رغم كل هذه الفرص، يبقى التحدي الأكبر كوردياً قبل أن يكون عراقياً.
فالانقسام السياسي بين هولير والسليمانية، والخلافات الحزبية، تضعف القدرة على استثمار المتغيرات الإقليمية.
وفي السياسة، لا تكفي عدالة القضية إذا غابت وحدة القرار.
إن العالم لا يتعامل مع القوى المنقسمة باعتبارها شريكاً كاملاً، بل باعتبارها ساحة يمكن التأثير فيها.
ولهذا فإن توحيد الموقف الكوردي لم يعد مجرد مطلب وطني، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية المكاسب وتحويلها إلى حقوق مستدامة.
الشرق الأوسط الجديد… أقل أيديولوجيا وأكثر براغماتية
تشير معظم المؤشرات إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تختلف جذرياً عن العقود الماضية.
فالأولوية أصبحت للاستقرار الاقتصادي، وتأمين طرق التجارة، وجذب الاستثمارات، وحماية مصادر الطاقة.
وفي المقابل، يزداد الضغط الدولي لتعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتقليص نفوذ القوى المسلحة الخارجة عن الأطر الرسمية.
وفي مثل هذا المناخ، ستكون قدرة أي طرف على بناء التحالفات أكثر أهمية من قدرته على خوض الصراعات.
خاتمة
لم تكن زيارة محمد الحلبوسي إلى هولير حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل كانت مؤشراً على أن العراق بدأ يدخل مرحلة إعادة تشكيل توازناته الداخلية بالتوازي مع التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
فالاستراتيجيات الكبرى لا تتغير بسهولة، لكن التكتيكات تتبدل باستمرار، ومن يفشل في قراءة هذه التحولات يفقد القدرة على التأثير فيها.
أما الكورد، فإن موقعهم في المرحلة المقبلة لن تحدده الجغرافيا وحدها، ولا الدعم الخارجي وحده، بل قدرتهم على توحيد رؤيتهم، وبناء شراكات متوازنة، وتحويل مكاسبهم السياسية إلى مشروع وطني مستدام.
لقد دخلت المنطقة زمناً جديداً، لم تعد تُرسم فيه الخرائط بالقوة العسكرية وحدها، بل بالاقتصاد، والدبلوماسية، والقدرة على بناء التحالفات. وفي هذا الزمن، لن يكون السؤال: من يملك الأرض؟ بل: من يملك الرؤية التي تجعل من الأرض جسراً للمستقبل، لا ساحةً للصراع؟