د. نزار طاهر حسين الدليمي
ليست كل الحكايات تُروى على الورق، فبعضها يُكتب على صفحات العمر بمداد الصبر، وتُنقش سطورها بعرق الكفاح وصدق الإيمان. وهذه واحدة من تلك الحكايات التي تثبت أن الأحلام الحقيقية لا تعرف الانكسار أو الإستسلام، وإن تعثرت بها الطرق، ولا تموت وإن أثقلتها المنافي.
في مدينة الموصل، المدينة التي أنجبت العلماء والأدباء، واحتضنت الحضارة عبر العصور، وُلد الشاب (عباس محمد جميل الاغا) حمل في عينيه بريق الطموح، وفي قلبه يقينًا بأن العلم هو الطريق الأسمى إلى المجد. وما إن خطا أولى خطواته في ميادين الدراسة حتى كان اسمه يتصدر قوائم المتفوقين، يسبق أقرانه بجدّه واجتهاده وعزيمته، ويؤمن أن التفوق لا يُمنح، بل يُنتزع بالإرادة والعمل.

اعتمد على نفسه منذ بداياته، فلم ينتظر أن تمهد له الحياة دربًا معبدًا بالورود، بل شق طريقه بيديه، وجعل من كل عقبة درسًا، ومن كل تعب زادًا لمواصلة المسير نحو النور.
ثم جاءت أحداث عام 2014، لتلقي بظلالها الثقيلة على الموصل، فكان الرحيل قاسيًا عليه، وكانت الغربة امتحانًا عسيرًا ليختبر صبره.
غادر مدينته إلى إقليم كردستان، يحمل حقيبة صغيرة، وقلبًا مثقلًا بالحنين، غير أن الإيمان بالمستقبل كان أثقل من كل أوجاع الرحيل.
ومن هناك بدأت رحلة أخرى، أكثر مشقةً وأشد عناءً. تنقل بين المحافظات حتى استقر به المقام في واسط، وهناك لم يسمح للغربة أن تسرق منه حلمه، بل جعلها دافعًا للمضي قدمًا. واصل دراسته بعزم لا يعرف الوهن، حتى نال شهادة الماجستير، ثم ارتقى إلى أعلى مراتب التحصيل العلمي بالحصول على شهادة الدكتوراه، ليؤكد أن الإرادة الصلبة قادرة على تحويل المحن إلى جسور تعبر بصاحبها نحو القمم العالية.
ومع كل نجاح كان هناك حلما قديما يزداد وضوحًا في مخيلته؛ حلمٌ لم يكن منصبًا أو لقبًا، بل بيتًا للكتاب، وملاذًا للفكر، ومنبرًا للكلمة الحرة. كان يحلم بتأسيس دار نشر تفتح أبوابها للمبدعين، وتحمل رسالة الثقافة إلى المجتمع العراقي.
ومرت السنوات، حتى عاد إلى مدينته التي لم تغادر قلبه يومًا. عاد إليها لاجئًا من اليأس، منتصرًا على قسوة الأيام، يحمل بين يديه ثمرة رحلة طويلة من الصبر والإصرار. وهناك في الموصل، تحقق الحلم أخيرًا، وافتُتحت دار النشر (دار نشر حرف في المجموعة الثقافية-عمارة لابتوب الطابق الأول) التي طالما سكنت وجدانه، لتكون شاهدًا على أن الأحلام المؤجلة ليست أحلامًا ضائعة، وإنما مواعيد يؤجلها القدر حتى يحين أوانها.
إن هذه السيرة ليست مجرد قصة رجل نال الشهادات وحقق النجاح، بل هي رسالة لكل من أنهكته الظروف وأتعبته الحياة، بأن الطريق قد يطول أحياناً، وقد تتغير الأمكنة، وتثقل القلب الغربة، لكن من يحمل حلمًا صادقًا، ويؤمن بقدرته على تحقيقه، لا بد أن يصل. فالأوطان تُبنى بسواعد المخلصين، والثقافة تزهر حين تجد من يؤمن برسالتها، والأحلام العظيمة لا تعرف سوى النهاية التي تليق بها… النجاح