صدف بحر الشمال

آناهيتا حمو.

في أيام الصيف، يصبح البحر أكثر من مجرد وجهة لقضاء العطلة؛ إنه مساحة للتأمل، ولإعادة اكتشاف الذات، وللعودة إلى الذكريات الأولى التي تسكن القلب مهما ابتعدت المسافات. وعلى أحد السواحل الفرنسية، حيث يمتد الأفق بين زرقة السماء والمحيط، يجد الإنسان نفسه أمام لوحة طبيعية تذكّره بأن الجمال لغة عالمية، وأن الحرية هي أسمى ما يبحث عنه البشر.
وله سحره ،وحي التأمل، سحر حركة المد والجزر، والأطفال وهم يرسمون على الرمال، تارة يبنون القلاع الرملية وتارة اخرى صروح فرنسا الحضارية بقوالب مثل كنيسة القلب المقدس وقصر فيرساي، ويجمعون الأصداف بفرح عفوي. كانت الأمواج بمدها وجزرها تمحو تلك الرسومات برفق، لكنها لم تستطع أن تمحو البهجة التي تركتها في وجوههم. عندها تعيد دفء الروح.
وأطفالنا في روجافاكوردستان هل يلعبون؟ أسئلة مثيرة للجدل جابت في خاطري وللتضامن مع الطفولة الكُردية ومع القضية الكُردية.
وحنين ذكريات الطفولة في بستان صغير بالقرب من نهر صغير جدا كان يروي خضرة قلوبنا الكردية الغضة وبراءة تفوح من البستان، في الوطن الأم كُردستان؛ تلك المرحلة التي كان فيها الحلم أكبر من الخوف، وكانت الأيام تُقاس باللعب والضحكات لا بالساعات.
في كل رحلة بحرية، نحمل بين الفينة والأخرى اقتناعاً بأن البحر يشبه التاريخ؛ يحمل في أعماقه دُرر وجواهر، دروس وعبر، قصصاً لا تُحصى، ويحتفظ بذاكرة الشعوب كما تحتفظ الأمواج بأسرارها. ومن بين تلك الذكريات، يظل التاريخ الكردي حاضراً في وجداني، بما يحمله من إرث ثقافي غني، وحب للأرض، وتمسك باللغة، وإصرار على صون الهوية عبر الأجيال.
وللحرية مكانتها الثمينة للمرأة الأوروبية، مقارنة بحياة المرأة الكُردية، تدعو إلى التأمل.
وللمرأة الكردية مكانة خاصة في هذه الذاكرة؛ فهي لم تكن مجرد شاهدة على التاريخ، بل كانت شريكة في صنعه. حملت مسؤولية الأسرة، وحافظت على التراث، ونقلت اللغة والأغاني الشعبية والحكايات من جيل إلى آخر. وفي مختلف المراحل التاريخية، ارتبط حضورها بمعاني الصمود والكرامة، وأصبحت رمزاً للقوة والأمل لدى الكثيرين.
وعلى الساحل الفرنسي، تجد عند الغروب لوحات صيفية، نجد انبهاراً ساحراً ،انفتاح البحر صورة للحرية؛ حرية الفكر، وحرية الإبداع، وحرية الإنسان في أن يعبّر عن هويته وثقافته باحترام وتقدير للآخرين. فالجمال الحقيقي مثل دفىء الحب الحقيقي لا يعرف الحدود، بل يجمع الشعوب حول قيم إنسانية مشتركة، أساسها المحبة والسلام والتنوع.
كانت الموسيقى والأغاني الجميلة الفرنسية الخالدة القادمة من المقاهي المطلة على البحر تمتزج مع صوت الأمواج، فتمنح المكان إيقاعاً هادئاً وبين لغات السُياح المختلفة، كنت أشعر بدفء لغتي الكُردية، تلك اللغة التي ترافقني أينما ذهبت، وتربطني بجذوري وذكرياتي الأولى. فاللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي ذاكرة وهوية وجسر يصل الإنسان بوطنه.
العطلة الصيفية ليست هروباً من القيظ والحر الشديد ومن الحياة، بل فرصة لإعادة ترتيب المشاعر، واستعادة الأمل، واكتشاف الجمال في التفاصيل الصغيرة؛ في صدفة بحرية، أو ابتسامة طفل، أو غروب شمس ينعكس على صفحة الماء.
مثل لوحات الفنان الفرنسي كلود مونيه والهولندي فان غوخ ولعل لوحته الشهيرة “عباد الشمس تعود إلى عام 1888.
وهي أيضاً لوحات مثيرة للجدل ومناسبة للتأمل نجد فيها أجمل قيمة للحرية، وفي أهمية الحفاظ على التراث الثقافي، وفي بناء جسور التفاهم بين الشعوب.
وحين تنتهي الرحلة، يبقى البحر شاهداً على لحظات لا تُنسى، وتبقى الرمال تحتفظ بخطوات العابرين وأحلام قصور الأطفال من رمال ناعمة، حتى تمحوها الأمواج، بينما تظل الذكريات راسخة في القلب. فالوطن يسكن الروح مهما ابتعدت المسافات، والحرية تبقى البوصلة التي تقود الإنسان نحو مستقبل أكثر إشراقًا، أما الجمال وموسيقى تراتيل هداية الأمواج، فهو الرسالة التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت لغاتهم وأوطانهم

قد يعجبك ايضا