تزرين يعقوب سولا
إن التنوع في العراق ليس وليد العصر الحديث، بل هو امتداد لتاريخ طويل صنعته حضارات تعاقبت على هذه الأرض، من السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، وصولًا إلى الحضارات التي ازدهرت في مختلف الحقب التاريخية. لقد كانت بلاد الرافدين مهدًا للكتابة والقانون والمدن، ومكانًا التقت فيه الشعوب والثقافات واللغات والأديان، فكان التنوع جزءًا من هويتها قبل أن يصبح مصطلحًا سياسيًا متداولًا. ولهذا فإن الحفاظ على هذا التنوع ليس دفاعًا عن جماعة بعينها، بل هو حفاظ على إرث حضاري وإنساني أسهم في تشكيل هوية العراق عبر آلاف السنين.
لذا فإن العيش المشترك ليس شعارًا مستحدثًا، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ هذا الوطن.
إن حماية المكونات لا تبدأ بتخصيص مقعد برلماني ، ولا إلى من يتحدث باسمها بل تبدأ بإقامة دولة المواطنة وسيادة القانون. فعندما يكون القانون عادلًا ويُطبَّق على الجميع دون تمييز، تصبح كرامة الإنسان وحقوقه مصونة، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو لغته، ولا يعود المواطن بحاجة إلى من يطالب نيابةً عنه بحقوق يفترض أنها مكفولة أصلاً.
ولا حاجة لكوتا مسلوبة الإرادة والقرار ، تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج نخبة سياسية محدودة، انشغلت بصراعاتها الداخلية على المقاعد والمناصب والامتيازات ، أكثر من انشغالها بقضايا الناس.
إن حماية التنوع لا تتحقق فقط بمؤتمرات احتفالية، وبخطابات عن الأخوة والتعايش، وإنما تبدأ من المدرسة التي تُعرّف الطفل بتاريخ جميع أبناء وطنه،
وبمراجعة المناهج الدراسية وتطويرها وأن تتضمن تاريخ وثقافات ولغات جميع المكونات العراقية، وأن تُبرز إسهاماتها في بناء حضارة العراق وهويته الوطنية، بما يعزز الشعور بالانتماء إلى وطن واحد يجمع الجميع، ويغرس احترام التنوع بوصفه مصدر قوة وإثراء، لا سببًا للانقسام أو التنافس.
ومن الإعلام الذي يعزز ثقافة الاحترام، ومن مؤسسات تطبق القانون بعدالة، ، وليس مبنيا على المحاصصة، بل على المواطنة،
العراق لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات عن التنوع، بل إلى سياسات تحافظ عليه، وإلى عدالة تجعل كل مواطن يشعر بأنه شريك حقيقي في هذا الوطن.