العلاقات العامة ليست دعاية… لماذا ما زال المفهوم غائبًا؟

م.م زيد محمد كاظم

ترتكب كثير من المؤسسات خطأً كبيرًا عندما تختزل العلاقات العامة في نشر الأخبار، أو تنظيم الاحتفالات، أو تلميع صورة المسؤول أمام وسائل الإعلام. هذا الفهم الضيق جعل العلاقات العامة في نظر البعض مرادفًا للدعاية، بينما هي في حقيقتها علم إداري واتصالي يقوم على بناء الثقة، وإدارة الحوار، وصناعة علاقة مستدامة بين المؤسسة وجمهورها.
ولعل المتابع للمشهد العراقي يلاحظ أن عبارة “العلاقات العامة” تُستخدم أحيانًا للدلالة على شخص يجيد المجاملة، أو موظف يتولى استقبال الضيوف، أو جهة مسؤولة عن التقاط الصور ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي. ومع مرور الوقت ترسخ هذا التصور حتى أصبح كثيرون يعتقدون أن نجاح العلاقات العامة يقاس بعدد الأخبار المنشورة، لا بمستوى الثقة التي تبنيها المؤسسة مع المجتمع. وهذه الإشكالية لا ترتبط بالمجتمع وحده، بل تمتد إلى بعض المؤسسات نفسها. فكم من دائرة أنشأت قسمًا للعلاقات العامة، لكنها لم تمنحه أي دور في صناعة القرار، واكتفت بتكليفه بتغطية النشاطات وكتابة البيانات الصحفية. وهكذا تحول هذا التخصص، الذي يُعد في الجامعات العالمية أحد أهم أدوات الإدارة الاستراتيجية، إلى وظيفة تنفيذية محدودة التأثير. ويشير الباحث البريطاني فرانك جيفكنز إلى أن العلاقات العامة هي عملية اتصال مخطط لها تهدف إلى بناء التفاهم والثقة المتبادلة بين المؤسسة وجمهورها. ويؤكد أن نجاحها لا يتحقق بإخفاء الحقائق أو تجميلها، بل بتقديمها بوضوح وصدق، لأن المصداقية هي رأس مال أي مؤسسة. أما الباحث سام بلاك أحد أبرز المتخصصين في العلاقات العامة، فيرى أن العلاقات العامة ليست وسيلة للدفاع عن المؤسسة مهما كانت أخطاؤها، وإنما وسيلة لفهم توقعات الجمهور، ونقلها إلى الإدارة، ثم العمل على معالجة المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن هذا المنظور، تصبح العلاقات العامة جزءًا من عملية الإصلاح، لا مجرد أداة إعلامية.

وفي العراق، ما زالت بعض المؤسسات تنظر إلى العلاقات العامة على أنها واجهة تجميلية. فعندما تحقق المؤسسة إنجازًا، تتسابق إلى نشره، لكنها عندما تواجه مشكلة أو انتقادًا، تفضل الصمت أو الاكتفاء ببيانات عامة لا تقدم إجابات واضحة. وهذا الأسلوب لا يحمي السمعة، بل يضعفها، لأن الجمهور أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات. وليس من الصعب ملاحظة هذا الأمر في بعض الجامعات والمؤسسات الحكومية. فصفحاتها الرسمية تمتلئ بصور الاجتماعات، والوفود، والاحتفالات، بينما تغيب عنها المعلومات التي يحتاجها الطالب أو المواطن أو الباحث. وقد يجد المراجع نفسه عاجزًا عن الحصول على إجابة بسيطة عن إجراء إداري، في الوقت الذي تنشر فيه المؤسسة عشرات الأخبار عن نشاطاتها اليومية. وهنا يتساءل الجمهور: لمن تُكتب هذه الأخبار؟ وهل الهدف منها خدمة الناس، أم الاكتفاء بإثبات أن النشاط قد أُنجز؟
كما أن بعض المؤسسات تخلط بين الإعلان والعلاقات العامة. فالإعلان يسعى إلى إقناع الجمهور برسالة محددة مقابل مساحة مدفوعة، أما العلاقات العامة فتعتمد على بناء السمعة من خلال الأداء الحقيقي، والاتصال المستمر، والمسؤولية الاجتماعية، والشفافية. لذلك فإن المؤسسة قد تنفق ملايين الدنانير على حملات إعلامية، لكنها تخسر ثقة الناس بسبب تجربة سلبية واحدة يعيشها المواطن داخلها. وقد أثبتت تجارب عالمية أن السمعة لا تُشترى، بل تُكتسب. فشركة تويوتا عندما واجهت أزمة استدعاء ملايين السيارات لم تكتفِ بحملة إعلامية، بل اعترفت بالمشكلة، وقدمت اعتذارًا، واتخذت إجراءات عملية لمعالجتها. كما أن شركة جونسون آند جونسون أصبحت مثالًا عالميًا في إدارة السمعة عندما وضعت سلامة المستهلك فوق الاعتبارات التجارية خلال أزمة منتج “تايلينول”، فخرجت من الأزمة بثقة أكبر من السابق.
إن المؤسسات العراقية بحاجة إلى استيعاب هذا الدرس. فالجمهور لا يريد خطابًا مثاليًا، بل يريد مؤسسة تستمع إليه، وتعترف بأخطائها، وتوضح قراراتها، وتحترم حقه في المعرفة. والعلاقات العامة هي الجهة القادرة على تحقيق ذلك إذا مُنحت المكانة التي تستحقها داخل الهيكل الإداري.
ولا يمكن الحديث عن علاقات عامة ناجحة من دون ثقافة مؤسسية تؤمن بالشفافية. فالرسائل الإعلامية، مهما كانت متقنة، تفقد قيمتها عندما تتناقض مع الواقع. وإذا شعر المواطن بأن المؤسسة تتحدث بلغة، بينما تمارس لغة أخرى، فإن الفجوة بين الطرفين ستتسع، وستصبح أي محاولة لاستعادة الثقة أكثر صعوبة.
كما أن الجامعات العراقية مطالبة بإعادة النظر في دور أقسام العلاقات العامة فيها. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل بيت خبرة يخدم المجتمع، ومن واجب العلاقات العامة أن تنقل هذا الدور إلى الناس، وأن تبني جسورًا مع الخريجين، والباحثين، ووسائل الإعلام، ومؤسسات الدولة، بدل أن يقتصر نشاطها على توثيق الندوات والاحتفالات. لقد تغير العالم، وتغيرت معه طبيعة الاتصال. ولم تعد العلاقات العامة ترفًا إداريًا أو وظيفة بروتوكولية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في نجاح المؤسسات واستمرارها. والمؤسسة التي ما زالت تنظر إليها بوصفها دعاية أو زينة إعلامية، ستجد نفسها عاجلًا أم آجلًا أمام جمهور لا يصدق ما تقول، لأنه لم يعد يقيس الكلمات، بل يقيس الأفعال.
العلاقات العامة ليست فن إخفاء الحقيقة، بل فن بناء الثقة حول الحقيقة. وعندما تدرك المؤسسات العراقية هذه المعادلة، ستتحول العلاقات العامة من قسم يرافق المناسبات إلى شريك حقيقي في صناعة القرار، وفي بناء سمعة تستند إلى الإنجاز، لا إلى الشعارات.

قد يعجبك ايضا