د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
2/2
خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر،
لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟
تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟ ولماذا لا توجد وراء أجزاء كوردستان قوة قومية مشتركة تحمي مكتسباتها وتراكم خبراتها؟
خسارة تجربة غربي كوردستان انتكاسة قاسية لا يجوز الاستهانة بها، لكنها ليست جرحنا الأعمق؛ فالمأساة القومية الأكبر هي بقاء كوردستان، بتاريخها وجغرافيتها وثرواتها وعشرات الملايين من أبنائها، غائبة عن الخريطة السياسية للعالم.
نحن لسنا أربع أقليات ظهرت مصادفة في تركيا وإيران والعراق وسوريا، بل شعب واحد قُسمت جغرافيته، ثم أعادت الدول التي اقتسمتها تعريف كل جزء منه وفق حدودها ومصالحها. ومع ذلك، استسلم جانب من خطابنا السياسي لهذه التجزئة؛ فأصبح كل جزء يتحدث عن أزمته كأنها القضية كلها، وكل حزب يتعامل مع منطقته كأنها آخر حدود الوطن.
نبكي على عفرين وسري كانيه وكركوك، وهذا واجب قومي وإنساني؛ لكننا لا نسأل بما يكفي: لماذا بقيت هذه المدن قابلة للاحتلال والمساومة؟ ولماذا لم تكن وراءها قوة قومية موحدة، ودبلوماسية كوردستانية، ومؤسسات اقتصادية وسياسية قادرة على حمايتها؟
إن الانشغال بالجزء ونسيان الكل يخدم، من حيث ندري أو لا ندري، القوى التي ترفض وجود كوردستان. لكن الحديث عن الكل لا يجوز أن يصبح ذريعة لإهمال الجزء؛ فكل مكتسب في أي جزء من كوردستان ينبغي أن يكون لبنة في مشروع قومي شامل، لا جزيرة حزبية تنتظر تبدل المصالح كي تغرق.
نكرر أن قضيتنا عادلة، وأن الكورد تعرضوا للمجازر والتهجير والتعريب والإنكار. وهذا صحيح، لكنه لم يعد كافيًا؛ فالعالم لا يتحرك لمجرد عدالة القضية، بل عندما يقتنع بأن حلها يخدم أمنه ومصالحه.
وهنا يكمن أحد أكبر إخفاقات الحركة الكوردية: لم ننجح في تقديم كوردستان إلى العالم بوصفها حلًا لمشكلات المنطقة، لا مشكلة إضافية فيها.
أثبت الكورد قدرتهم على مواجهة الإرهاب، وأظهرت تجاربهم قابلية للتعددية وحضور المرأة والتعايش القومي والديني. كما تقع كوردستان في قلب مسارات الطاقة والمياه والتجارة، وبين أربع من أكثر دول المنطقة اضطرابًا. ومع ذلك، لم تتحول هذه العناصر إلى مشروع دبلوماسي يثبت أن ضمان الحقوق الكوردية يحد من الإرهاب والهجرة والحروب، ويوفر للعالم شريكًا موثوقًا.
لقد قاتل الكورد دفاعًا عن أمن العالم، لكنهم لم يبنوا بعد المؤسسة التي تشرح للعالم لماذا يشكل الدفاع السياسي عن حقوقهم حمايةً لمصالحه أيضًا.
سقطت جمهورية كوردستان في مهاباد سنة 1946 بعد انسحاب الدعم السوفييتي، وانهارت ثورة أيلول سنة 1975 بعد اتفاق الجزائر، وتعرض مشروع الاستقلال في جنوب كوردستان لانتكاسة بعد استفتاء 2017، رغم تصويت 92.73% لمصلحته.
لم تكن هذه التجارب وصمة، ولا تجربة غربي كوردستان كذلك. موضع الإدانة أن تمر تجربة بعد أخرى من دون أن تتحول إلى معرفة قومية متراكمة، وأن ندخل كل مرحلة بالأخطاء والانقسامات والارتهان الخارجي وغياب المؤسسات نفسها.
تخسر الأمم معارك وثورات، لكنها لا تخسر حقها في الوجود. والخسارة لا تصبح نهائية إلا عندما تتحول إلى يأس، أو اقتتال داخلي، أو تنكر للمشروع القومي.
ما نحتاج إليه هو نقل القضية من خطاب المظلومية وحده إلى خطاب المصلحة الدولية، وإعداد ملف مهني يوضح بالأرقام والخرائط كيف يخدم حل القضية الكوردية مكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة والمياه، وحماية المكونات، والحد من الهجرة والحروب الإقليمية.
ونحتاج إلى مجلس استراتيجي كوردستاني مستقل عن هيمنة أي حزب أو جزء، يضم مختصين في القانون والاقتصاد والأمن والدبلوماسية، ويعمل على بناء رؤية قومية مشتركة وتقديمها إلى مراكز القرار العالمي.
كما ينبغي تحويل ملايين الكورد في أوروبا وأمريكا إلى قوة ضغط منظمة تعمل طوال العام. فالمظاهرات تعبّر عن الغضب، لكن السياسات تُصنع بالعمل المتواصل، والبحوث، والعلاقات مع البرلمانات والإعلام والجامعات.
لا تسمحوا لخسارة الجزء بأن تحجب مأساة الكل، ولا تجعلوا الحديث عن الكل يلغي مسؤوليتنا تجاه الجزء. فليست خسارة الثورة وصمة؛ الوصمة أن تخسر الأمة تجاربها واحدة بعد أخرى، من دون أن تحفظ دروسها أو تبني مشروعًا يحوّل عدالة قضيتها إلى ضرورة دولية.
ما نحتاج إليه ليس مزيدًا من المراثي، بل عقل قومي ينقل كوردستان من قضية يتعاطف معها العالم عند المآسي، إلى مشروع يدرك العالم أن نجاحه يخدم أمنه ومصالحه، وأن استمرار إنكاره يبقي أحد أعمق جروح الشرق الأوسط مفتوحًا.