الباحث الحقوقي رنج باراوی
عندما يتأمل المرء الوضع الراهن في العراق، يرى بوضوح أن البلاد تقف أمام اختبار تاريخي وعسير جداً؛ اختبار امتزجت فيه الأزمات الداخلية والخارجية لتضع الحكومة على حافة أزمة عميقة. وفي صياغة هذه المرحلة الحساسة وهندستها، جاءت سلسلة الزيارات الرسمية لرئيس مجلس الوزراء، (علي الزيدي)، إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والجمهورية التركية، ثم المملكة العربية السعودية، بمثابة خارطة طريق، أو بالأحرى محاولة اضطرارية للحفاظ على التوازن على حافة الهاوية. لم تكن هذه الجولات مجرد زيارات موسمية ودبلوماسية عادية، بل كانت مسعىً حتمياً لإنقاذ مكانة الدولة قبل أن تخرج الأزمات عن السيطرة تماماً.
لماذا أُجريت هذه الزيارات في هذا التوقيت الحساس؟ الجواب ببساطة يكمن في الوضع المالي والعجز النقدي. لقد وصل الوضع المالي إلى حدٍّ حتم على رئيس الوزراء التحرك بأنفسه لكسب الثقة الدولية وضمان حماية العواصم والاقتصاد قبل وقوع انهيار كبير.
وعندما زار واشنطن، كانت المحاور واضحة جداً؛ حيث جرى الحديث عن “اقتصاد واحد” وترسيخ النظام المصرفي لمنع تهريب العملة الصعبة وغسيل الأموال. فضلاً عن ذلك، وفي كلمته التاريخية أمام (دونالد ترامب) حين قال: “أنظر إلى البصرة وكردستان نظرة واحدة”، قصد (علي الزيدي) إظهار الوحدة الوطنية وربط العمق الاقتصادي للجنوب (النفط والإيرادات) بالاستقرار في إقليم كردستان (الهدوء والوضع الفيدرالي) تحت مظلة دولة واحدة. ومن الناحية الدستورية، كان هذا التصريح تأكيداً صريحاً على تطبيق مبادئ النظام الفيدرالي والمساواة بين المكونات العراقية في توزيع الثروة الوطنية والحفاظ على الكيان الدستوري للأقاليم دون تمييز.
أما من الناحية العسكرية، فقد كانت رسالة أمريكا والعراق واضحة مفادها وجوب خضوع القوى المسلحة لمظلة الدولة وأن يكون قرار الأمن حكراً على المركز وحده.
ولكن ما يستدعي الوقفة حقاً، هو أنه بعد هذه الجولات، تعرّض مشهد السيادة على الأراضي العراقية لاختبار مرير للغاية؛ وذلك عندما تعرضت مواقع الحشد الشعبي داخل العراق لقصف من قوة خارجية. وهنا يبرز سؤال عسير على المشهد السياسي: لماذا لم يُبلغ رئيس الوزراء (علي الزيدي) مسبقاً من قِبل أمريكا بأن ضربةً ستستهدف مواقع الحشد؟ هذا التجاهل الدبلوماسي مؤشر خطير يدل على أن واشنطن، عند ضرب الأهداف الأمنية، لا تقيم وزناً لكيان الدولة الرسمي وتخفي المعلومات عن بغداد.
وقد أثار هذا الأمر تساؤلات كبرى حول المادة (١٠٩) من الدستور العراقي، التي تنص صراحة على أن: “الدولة تلتزم بالحفاظ على سيادة البلاد وسلامة أسمائها وأجوائها ومياهها”. ألا يُعدّ هذا انتهاكاً صارخاً للدستور؟ إن الصمت أو الضعف حيال هذه الانتهاكات يعكس أزمة كبرى في التنسيق الأمني، وهو ما يستدعي موقفاً حكومياً حازماً وحاسماً لكي لا تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. ومن جهة أخرى، وضع هذا الوضع طهران أمام اختبار شاق؛ لأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت تراقب بقلق ودقة هذا التقارب الاقتصادي والسياسي العراقي مع واشنطن والرياض، وكان لزاماً على (الزيدي) حفظ توازن دقيق بين هذه المصالح المتعارضة كي لا يتسبب ذلك باضطراب داخل تحالفه.
من جانب آخر، حملت زيارة أنقرة بُعداً مختلفاً؛ ألا وهو الاهتمام بمشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي. فالعراق يسعى من خلال هذا المشروع إلى التخلص من التبعية العمياء للنفط وأن يوطّد مكانته كمركز لوجستي كبير يربط الخليج بأوروبا. وتعد إعادة استئناف تصدير النفط عبر هذا الطريق المفتاح الوحيد لإنعاش البنية التحتية الاقتصادية وخفض معدلات البطالة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على رفع مستوى دخل الفرد للمواطنين.
أما بخصوص زيارة السعودية، فقد توجّه (علي الزيدي) إلى الرياض انطلاقاً من إدراك مفاده أن العراق لا يمكنه أبداً معالجة مشكلاته المالية والأمنية بمفرده ودون اتفاق واسع مع جيرانه المؤثرين. وكان الهدف من تلك الزيارة استقطاب رؤوس الأموال السعودية لمشاريع الكهرباء، والطاقة، والربط الخليجي، وفي الوقت ذاته بناء جسر من الثقة للحفاظ على العلاقات السياسية عند مستوى مستقر ودرء أي توترات جديدة.
وما كان أكثر إثارة للاهتمام هو الموقف البروتوكولي الذي جرى في تركيا؛ عندما امتنع وزير النقل عن توقيع مذكرات التفاهم المشتركة، تصدى له (علي الزيدي) بموقف وطني حازم. لقد شكّل هذا السلوك رسالة واضحة للجميع بأن القرار الاقتصادي العراقي مستقل وغير خاضع للتوجهات الخارجية، وأن الحكومة غير مستعدة للتنازل عن المصالح العليا للوطن. وعلى الصعيد الداخلي، ورغم أن هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة أثارت في البداية بعض المخاوف والاعتراضات الخفية من قبل القوى السياسية المتحالفة، إلا أنها نجحت في النهاية في نيل دعم قطاع عريض من الشارع وأوساط صنع القرار، باعتبارها خطوة جريئة لإنقاذ الاقتصاد.
لقد رسمت زيارات رئيس الوزراء، رغم كافة المخاطر والتعقيدات على الأرض، مخرجاً عملياً لمشكلات العراق. وتتجلى النجاحات الحقيقية لهذه السياسة في مدى قدرة السلطة على تحويل هذه العلاقات الخارجية إلى مكتسبات وطنية وحماية جزء من تراب العراق من أتون الصراعات، بحيث يتحول العراق مستقبلاً إلى جسر لالتقاء القوى الإقليمية بسلام لا إلى ساحة لتصفية حروبها.
ترتكز السياسة الخارجية للعراق في المرحلة الحالية على مبدأ “الموقف المستقل ورفض استخدام الأراضي كساحة لتصفية الحسابات”. ومن المتوقع أن يتخذ المذكور في المرحلة القادمة موقفاً سياسياً وقانونياً صارماً حيال أي خطوة حادة من قِبل السعودية أو حلفائها داخل العراق، وأن يربط الأمر بالمواد الدستورية المعنية بحماية السيادة؛ وفي الوقت ذاته، ودرءاً لاتساع نطاق الأزمة، سيسعى عبر الدبلوماسية الرسمية واستخدام الوساطات الإقليمية إلى حفظ التوازن ومنع حدوث أي تصادم عسكري إضافي، بما يحمي مصالح بغداد المالية والاستراتيجية بعيداً عن دائرة الصراعات.
المصادر والهوامش القانونية والسياسية:
١. دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥: المادة (١٠٩) – الخاصة بحماية سيادة العراق ووحدة أراضيه.
٢. قانون الموازنة العامة الاتحادية: (القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠٢٣ – الموازنة العامة الاتحادية، القسم الخاص بالإيرادات النفطية وغير النفطية ومعالجة العجز المالي).
٣. التقارير التحليلية لمؤسسة الرقابة السياسية والاقتصادية: (تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية العراقي، الدورة السنوية لعام ٢٠٢٦، رقم التقرير (٥٨/اقتصاد)، الخاص بدراسة مخاطر العجز النقدي والوضع المصرفي).
٤. الاتفاقيات الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية: (اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعلاقات الصداقة والتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية، المُوقّعة في عام ٢٠٠٨، مع تقرير اللجنة المشتركة المالية والأمنية، رقم (٤) للسنوات ٢٠٢٥-٢٠٢٦، الخاص بالتعاون المالي والأمني وحماية النظام المصرفي)