حصة إقليم كوردستان حق دستوري… لا يجوز تقييدها بشروط في قانون الموازنة

عبدالسلام برواری*

المشكلة ليست في حجم حصة الإقليم، بل في تحويل الحق الدستوري إلى حق مشروط
كلما دار النقاش حول الموازنة الاتحادية، انصرف الاهتمام إلى نسبة حصة إقليم كوردستان، غير أن المشكلة الحقيقية، خلال السنوات الماضية، لم تكن محصورة في مقدار الحصة، بقدر ما تمثلت في الصياغة التي اعتمدتها قوانين الموازنة حين ربطت صرف استحقاق الإقليم بجملة من الشروط والالتزامات النفطية والمالية.
لقد أقر الدستور العراقي في المادة 121/ثالثاً حق الأقاليم في الحصول على حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً، بما يكفل القيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع مراعاة مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها. ولم يجعل النص الدستوري هذا الحق متوقفاً على تنفيذ شرط آخر، أو خاضعاً لإرادة الحكومة الاتحادية، أو قابلاً للتعليق بقرار سياسي أو إداري.
لكن الممارسة التشريعية سارت في اتجاه مختلف. فقد أضافت قوانين الموازنة، في أكثر من مرة، شروطاً لم يوردها الدستور، من بينها تسليم كمية محددة من النفط، وتحويل الإيرادات غير النفطية، وإجراء التدقيق المالي، وتسوية حسابات السنوات السابقة. وهكذا لم تعد حصة الإقليم تعامل باعتبارها حقاً دستورياً واجب الأداء، بل تحولت عملياً إلى استحقاق معلق على تنفيذ مجموعة من الالتزامات.
وهنا يكمن الخلل الجوهري. فحين يقرر الدستور حقاً، ثم يأتي قانون عادي ليجعل أداءه مشروطاً، لا يكون القانون قد نظم طريقة تنفيذ الحق فحسب، بل يكون قد قيد مضمونه. وإذا أدى عدم تنفيذ شرط من تلك الشروط إلى وقف الحصة أو تأخيرها، فإن الأمر لم يعد إجراءً فنياً، وإنما أصبح مساساً مباشراً بالحق نفسه.
قانون الموازنة قانون سنوي ذو طبيعة مالية وتنفيذية، ومهمته تنظيم إيرادات الدولة ونفقاتها خلال مدة محددة. وليس من وظيفته تعديل مضمون الحقوق الدستورية أو إضافة شروط لم يقررها الدستور. لذلك ينبغي ألا يقتصر التفاوض على زيادة نسبة الإقليم أو تقليلها، بل يجب أن يتجه، قبل كل شيء، إلى إنهاء الصياغات التي تجعل استحقاقه الدستوري رهينة بملفات أخرى.
لا ينبغي أن تتحول واردات النفط والملفات المالية الأخرى إلى شروط لصرف حصة الإقليم
كان تسليم كمية محددة من النفط أحد أكثر الشروط تكراراً في قوانين الموازنة السابقة. وقد تم ربط صرف حصة الإقليم بتسليم كميات يومية محددة إلى الحكومة الاتحادية.
غير أن تنظيم تصدير نفط الإقليم وتسويقه عبر شركة تسويق النفط العراقية «سومو» أوجد إطاراً خاصاً لمعالجة هذا الملف. ومع وجود اتفاق وآليات واضحة لتسليم النفط وتصديره وبيع عائداته، لم يعد هناك ما يبرر إعادة إدراج الملف ذاته في قانون الموازنة بوصفه شرطاً لصرف حصة الإقليم. اضافة ان الاشهر المنصرمة اظهرت بأن هنالک اکثر من سبب خارج عن ارادة الاقلیم یؤدي الی انخفاظ کمیة النفط المستخرج، بل توقف کلي لإنتاجە، في احیان اخری.
فإذا نشأ خلاف بشأن تنفيذ الاتفاق النفطي، وجب أن يعالج ضمن إطاره القانوني والتعاقدي، لا عن طريق تعليق حق دستوري آخر. ولا يجوز أن تتحول الموازنة إلى أداة لمعاقبة الإقليم، أو أن يصبح تمويل رواتب المواطنين والخدمات العامة وسيلة ضغط في نزاع تنفيذي بين حكومتين.
والأمر نفسه ينطبق على الإيرادات غير النفطية، والتدقيق المالي، والديون، وتسوية الحسابات السابقة. فهذه ملفات قانونية وإدارية مستقلة، ولكل منها أدواته ومؤسساته وآلياته. ويمكن تنظيمها بقوانين خاصة، أو باتفاقات بين الحكومتين، أو من خلال ديوان الرقابة المالية، أو عبر القضاء عند نشوء نزاع. أما جمعها جميعاً في مواد قانون الموازنة، وتحويلها إلى شروط تسبق صرف حصة الإقليم، فلا يحقق استقراراً مالياً ولا يقدم حلاً دائماً.
والفصل بين الحق الدستوري والالتزامات المتبادلة لا يعني إعفاء حكومة الإقليم من مسؤولياتها. فالحكومتان، الاتحادية والإقليمية، ملزمتان بالدستور والقوانين والاتفاقات النافذة. لكن الالتزام لا يعالج بإهدار التزام آخر، والخلاف حول ملف معين لا يبرر وقف حق مستقل مصدره الدستور.
إن إدخال جميع الخلافات بين أربيل وبغداد في قانون الموازنة يحول هذا القانون من أداة لتنظيم المالية العامة إلى ساحة للصراع السياسي. والنتيجة أن الخلافات نفسها تتكرر كل عام، بينما يتحمل المواطنون، ولا سيما الموظفون وأصحاب الدخل المحدود، آثارها المباشرة.
ماهو المنتظر من المفاوض الکوردستاني؟
لا ينبغي للوفد التفاوضي لإقليم كوردستان أن يذهب إلى بغداد لمجرد الاعتراض على النص الذي تعده الحكومة الاتحادية أو رفض الشروط التي تضعها الأطراف الأخرى. الأفضل أن يدخل المفاوضات حاملاً معه نصاً قانونياً بديلاً، واضحاً ومحكماً وقابلاً للإدراج في مشروع الموازنة.
ويتعين إعداد هذا النص بمشاركة خبراء في القانون الدستوري والصياغة التشريعية والمالية العامة، بحيث يكون منسجماً مع الدستور، دقيقاً في عباراته، وقابلاً للدفاع عنه أمام اللجنة المالية واللجنة القانونية والكتل النيابية الأخرى. فسلامة الموقف الدستوري وحدها لا تكفي إذا لم تترجم إلى صياغة تشريعية يمكنها أن تحظى بالتأييد السياسي اللازم.
يمكن، على سبيل الاسترشاد، اقتراح نص يقضي بتحديد حصة إقليم كوردستان من الإيرادات الاتحادية وفقاً لنسبة السكان وبمراعاة أحكام المادة 121/ثالثاً من الدستور، على أن تصرف هذه الحصة بوصفها استحقاقاً دستورياً، من دون تعليقها على أي شرط يرد في قانون الموازنة. ويمكن أن تضاف فقرة مستقلة تنص على أن الالتزامات المتبادلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم تنظم وفقاً للدستور والقوانين والاتفاقات النافذة، من دون أن يؤدي النزاع بشأنها إلى وقف الحقوق الدستورية أو تعليقها.
وليس المقصود التمسك الحرفي بهذه الصياغة، إذ يمكن تطويرها وتحسينها أثناء التفاوض. لكن المبدأ الذي تقوم عليه لا ينبغي أن يكون موضع مساومة: حصة الإقليم حق دستوري، ولا يجوز جعلها مقابلاً لتنفيذ التزام آخر.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون الصياغة واقعية ومدروسة. فليس المطلوب وضع نص مثالي لا يجد من يصوت له، وإنما إعداد صيغة تحمي جوهر الحق الدستوري، وتراعي أصول الصياغة التشريعية، وتتيح بناء تفاهمات مع القوى النيابية الأخرى. كما ينبغي ألا يكون الهدف محصوراً في ضمان حصة الإقليم في موازنة سنة واحدة، بل في تأسيس سابقة تشريعية تحول دون إعادة الشروط نفسها في الموازنات اللاحقة، ولو تحت مسميات أو صيغ جديدة.

وحدة موقف الكتل الكوردستانية أساس النجاح
لا تقع مسؤولية حماية هذا الحق على الوفد التفاوضي وحده، لأن المرحلة الحاسمة تبدأ داخل مجلس النواب، حيث يناقش مشروع القانون في اللجنتين المالية والقانونية، ثم يعرض على الجلسة العامة للتصويت.
لذلك يتعين على الكتل الكوردستانية أن تتفق مسبقاً على نص موحد وموقف مشترك. فالمسألة لا تخص حكومة بعينها، ولا حزباً أو كتلة محددة، وإنما تتصل بحق دستوري يخص جميع مواطني إقليم كوردستان.
ويجب أن تبدأ وحدة الموقف داخل اللجان النيابية، لأن معظم الصياغات الأساسية والتعديلات الجوهرية تنجز في هذه المرحلة، قبل وصول المشروع إلى الجلسة العامة. ولا يكفي أن تعترض القوى الكوردستانية في نهاية المسار التشريعي، بل ينبغي أن تكون حاضرة منذ البداية، مزودة بحجج دستورية ونصوص بديلة وموقف تفاوضي موحد.
وإذا أخفقت الجهود في حذف الشروط، وأصرت الأغلبية على إبقائها، فلا ينبغي أن يكون الرد بمقاطعة الجلسة. الأجدى أن يحضر النواب الكوردستانيون، وأن يعرضوا اعتراضاتهم الدستورية والقانونية أمام المجلس والرأي العام، ثم يصوتوا بصورة موحدة ضد النص.
فالمقاطعة موقف سياسي قد ينتهي بانتهاء الجلسة، أما التصويت بالرفض فيبقى مثبتاً في السجل الرسمي لمجلس النواب، ويؤكد أن ممثلي كوردستان لم يوافقوا على تحويل الحق الدستوري إلى استحقاق مشروط. كما يشكل هذا الموقف سنداً قانونياً وسياسياً لأي خطوات دستورية أو قضائية قد تتخذ لاحقاً. القضية، في جوهرها، لا تتعلق بموازنة سنة واحدة، بل بالسؤال عما إذا كانت الحقوق الدستورية ستبقى خاضعة كل عام للمساومة والتفاوض، أم ستتحول إلى قواعد ثابتة تلتزم بها الحكومات والمؤسسات.
ولا يقاس نجاح الوفد التفاوضي والكتل الكوردستانية بمقدار الأموال التي يتم تخصيصها للإقليم في موازنة واحدة، وإنما بقدرتهم على تثبيت نص قانوني يمنع مستقبلاً إخضاع هذا الحق لشروط متجددة.الحقوق الدستورية لا تستجدى، ولا تعلق على الشروط، ولا تترك للمساومات السنوية في قوانين الموازنة؛ وإنما تحترم وتنفذ كما أرادها الدستور.

*نائب سابق في پرلمان کوردستان

قد يعجبك ايضا