مسار التطبيع بين كوردستان وسوريا

شـــــريف علي

دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم – باستقراره السياسي وقدرته على لعب دور الوسيط – الخيار الأكثر واقعية في لحظة إقليمية مضطربة.
هذا الانفتاح لم يبدأ من فراغ، فقد جاءت الرسائل المتبادلة واللقاءات المتكررة , بين الشرع وقيادة الإقليم في أنطاليا وميونيخ ودافوس لتؤكد رغبة متبادلة في فتح قنوات دبلوماسية مباشرة، بالتوازي مع تبني السلطة الانتقالية خطاباً أكثر انفتاحاً تجاه معاناة الشعب الكوردي في غرب كوردستان ، ودعمها اتفاقات دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات قسد في الدولة السورية.
وجود كتلة كوردية كبيرة على جانبي الحدود جعل الإقليم لاعباً محورياً في صياغة العلاقة الجديدة، ودفع الكورد في غرب كوردستان إلى اعتبار دمشق مركزا للحلول السياسية في المرحلة المقبلة، مع التصدي لأية انتهاكات بحقهم،و دعم مطالبهم باللامركزية والتمثيل الدستوري .
في هذا السياق جاءت زيارة وفد وزارة الخارجية السورية برئاسة مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية إلى أربيل بوصفها نقطة تحوّل مفصلية . إذ حملت اعترافاً رسمياً بدور الإقليم في الملف الكوردي السوري، ورغبة دمشق في الانتقال من الاتصالات غير الرسمية إلى علاقة دبلوماسية كاملة . كما عكست إدراك السلطة الانتقالية أن أي تسوية داخلية مع الكورد تحتاج إلى بيئة إقليمية داعمة، وأن أربيل هي تلك البيئة القادرة على توفير الغطاء السياسي والضمانات اللازمة .
ومن هنا برز مشروع فتح قنصلية سورية في أربيل كخطوة استراتيجية تتجاوز البروتوكول، وتؤسس لقناة مباشرة لمعالجة ملفات الحدود والمعابر والوجود الكوردي في سوريا، وتخفف اعتماد دمشق على بغداد في التواصل مع الإقليم .
هذا المسار يمثل في جوهره حالة غير مألوفة في العلاقات الإقليمية، إذ يجمع بين كيان غير مركزي يتمتع باستقرار سياسي واقتصادي، ودولة انتقالية تعيد بناء مؤسساتها بعد انهيار نظامها السابق . التلاقي هذا يفتح الباب أمام نموذج جديد في الشرق الأوسط، يقوم على التعاون بين وحدات سياسية فرعية مستقرة بمعايير دولية ودول تمر بمرحلة إعادة تشكل، بما يسمح بتبادل الخبرات، وتخفيف الضغوط الحدودية، وخلق مسارات دبلوماسية مرنة تتجاوز الجمود التقليدي للعلاقات بين الحكومات المركزية. وإذا نجح هذا النموذج، فقد يشكل سابقة يمكن أن تعتمدها دول أخرى في المنطقة للتعامل مع كيانات محلية صاعدة ، بما يعيد تعريف مفهوم النفوذ الإقليمي ويمنح الأطراف غير المركزية دوراً أكبر في هندسة الاستقرار.
التطبيع لم يبق في الإطار السياسي والأمني، بل امتد إلى التعاون المدني والمؤسساتي. زيارة وزير التربية السوري محمد تركو إلى هولير لحضور المنتدى التربوي الكوردستاني الرابع، ولقاؤه رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، شكلت رسالة واضحة بأن العلاقة تتجه نحو مستويات جديدة من الانفتاح .
فحضور وزير من السلطة الانتقالية في فعالية تربوية داخل الإقليم يعكس استعداد دمشق للاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي، والانفتاح على تجربة الإقليم في التعليم متعدد اللغات، والسعي إلى استعادة حضورها في المناطق الكوردية من سورية عبر بوابة أربيل .
وتنظر قوات سوريا الديمقراطية إلى هذا الانفتاح بوصفه فرصة لإعادة دمج وجودها العسكري والسياسي ضمن الدولة السورية من دون خسارة مكتسباتها، خصوصاً أن الإقليم يشكل بالنسبة لها الضامن الأكثر موثوقية في أي عملية تفاوضية مع السلطة الانتقالية. أما المجلس الوطني الكوردي، فيرى في هذا المسار تعزيزاً لدوره السياسي، إذ يمنحه قناة مباشرة نحو دمشق عبر الإقليم، ويعيد له مكانة فقدها خلال سنوات القطيعة .
هذا التقارب قد يخفف تدريجياً من حدة الانقسام الكوردي-الكوردي، إذ يدفع الطرفين إلى التعامل مع مركز سياسي واحد، ويخلق أرضية مشتركة يمكن أن تبنى عليها تسوية داخلية تنهي حالة الازدواجية التي طبعت المشهد الكوردي السوري منذ 2012. وإذا استمر هذا المسار، فقد يتحول إلى نقطة التقاء تعيد تشكيل الحركة السياسية الكوردية في سوريا ضمن إطار وطني جامع، بدعم مباشر من إقليم كوردستان .
هذا المسار ترافق مع تنسيق أمني وعسكري متزايد، خصوصاً بعد اتفاقات وقف إطلاق النار ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، والتي لعبت أربيل دوراً غير معلن في تهيئة ظروفها، إلى جانب وساطة أمريكية-عراقية-كوردستانية في اتفاقات كانون الثاني 2026. كما برز البعد الاقتصادي والحدودي عبر معبر سيمالكا-فيشخابور الذي يشكل نقطة ارتكاز للعلاقة الجديدة، في ظل رغبة السلطة الانتقالية في تنظيم المعابر وفتح تجارة رسمية واسعة، وحاجة الإقليم إلى إدارة ملف اللاجئين السوريين عبر قنوات مؤسساتية.
ورغم هذا الانفتاح، تبقى العلاقة محكومة بتحديات إقليمية حساسة، أبرزها موقف بغداد المتحفظ تجاه السلطة الانتقالية السورية جراء النفوذ الإيراني الواسع في العراق ، وحساسية الملف السوري، والخشية من استقلالية الإقليم . هذا الى جانب هشاشة اتفاقات الدمج بين قسد والدولة السورية، ومستقبل الإدارة الذاتية .
لكن الإقليم يرى في الانفتاح السوري فرصة لتعزيز دوره الإقليمي وتعزيزمظلة آمنة لغرب كوردستان، وفتح أسواق جديدة، وتوسيع شبكة علاقاته الدبلوماسية، فيما ترى دمشق في الإقليم شريكاً موثوقاً يساعدها على استعادة شرعيتها الإقليمية وبناء توازنات جديدة داخل البلاد.
في المحصلة، ما يجري ليس مجرد تحسين للعلاقات، بل مسار تطبيع منهجي يعيد صياغة العلاقة بين هولير ودمشق بعد أكثر من عقد من الانقطاع.
زيارة وفد الخارجية، مشروع فتح القنصلية، وحضور وزير التربية في هولير، كلها حلقات في سلسلة واحدة تشير إلى أن الطرفين يتحركان نحو علاقة رسمية مستقرة تتجاوز إرث الصراع وتستجيب لمتطلبات مرحلة انتقالية تبحث عن شركاء موثوقين . وفي المحصلة أن هذا المسار مرشح للتوسع إذا نجحت السلطة الانتقالية في تثبيت مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وإذا استمرت أربيل في لعب دور الوسيط بين دمشق والقوى الكوردية في غرب كوردستان .
وفي حال استقرار الحدود وفتح القنصلية، قد تتحول العلاقة إلى نموذج تعاون إقليمي جديد، يجعل من الإقليم بوابة سوريا نحو العراق ، ويمنح دمشق منفذا سياسيا واقتصاديا يعيد إدماجها في محيطها عبرالبوابة الكوردستانية . وفي المقابل، سيجد الإقليم نفسه أمام فرصة لتعزيز مكانته كفاعل إقليمي مؤثر، قادر على الربط بين مصالح دولية وإقليمية متشابكة، وصياغة معادلات جديدة في الشرق الأوسط المتجه نحوتحولات جذرية .

قد يعجبك ايضا