أحمد هردي… شاعر الوجع الكردي

محمد علي محيي الدين

يُعد أحمد بن حسن بن عزيز، المعروف بـ أحمد هردي (1922–2006)، واحداً من أبرز شعراء الأدب الكردي الحديث، ومن الشخصيات الثقافية التي جمعت بين الإبداع الشعري، والبحث الأدبي، والعمل السياسي، فكانت حياته امتداداً لتاريخ كردستان العراق في القرن العشرين، بما حمله من تحولات سياسية، ونضالات وطنية، وتجارب إنسانية عميقة. وقد استطاع هردي أن يمنح القصيدة الكردية صوتاً جديداً يجمع بين حرارة العاطفة وعمق التأمل، وأن يجعل من الشعر سجلاً لتجارب الإنسان الكردي وآلامه وآماله، حتى غدا اسمه من الأسماء المؤسسة لمسيرة الشعر الكردي المعاصر.
وُلد أحمد هردي في مدينة السليمانية سنة 1922، وهي المدينة التي عُرفت بأنها إحدى أهم الحواضر الثقافية الكردية، ومنها تخرج عدد كبير من الشعراء والمفكرين. وفي تلك البيئة تشكل وعيه الأدبي، فتفتحت موهبته مبكراً، ومال إلى القراءة والاطلاع، قبل أن يتجه إلى كتابة الشعر، متأثراً بالتراث الكردي من جهة، وبتيارات الشعر العربي الحديث من جهة أخرى، وهو ما منح تجربته طابعاً خاصاً جمع بين الأصالة والتجديد.

Screenshot

ولم يكن الشعر بالنسبة إليه ترفاً فنياً، بل وسيلة لفهم الإنسان والتعبير عن قضاياه، ولذلك جاءت قصائده وثيقة الصلة بالحياة اليومية وبالهم الوطني، وعبّرت عن معاناة الفرد في مجتمع مضطرب، كما حملت نزعة وجدانية واضحة، جعلته من أبرز ممثلي الاتجاه الرومانسي في الأدب الكردي الحديث.
وفي عام 1957 أصدر ديوانه الشهير «رازي تە نیایی» (سرّ الوحدة)، الذي يُعد محطة بارزة في مسيرته الأدبية، إذ كشف عن شاعر يمتلك لغة شفافة وصوراً شعرية عميقة، ويعبر عن مشاعر الوحدة والاغتراب والحب والخسارة بأسلوب يوازن بين البساطة والرمزية. وقد أسهم هذا الديوان في ترسيخ مكانته بين شعراء جيله، وأصبح من الأعمال المهمة في تاريخ الشعر الكردي المعاصر.
ولم يقتصر نشاط أحمد هردي على الشعر، بل اهتم أيضاً بالدراسات الأدبية والنقدية، ومن أبرز مؤلفاته كتاب «العَروض في الشعر الكردي»، الذي تناول فيه الأوزان الشعرية وقواعدها، في محاولة لربط التراث العروضي العربي بالخصوصية الإيقاعية للقصيدة الكردية. ويكشف هذا العمل عن إدراكه العميق لأهمية الجمع بين الإبداع والتنظير، فكان شاعراً يكتب القصيدة، وباحثاً يتأمل بنيتها وأدواتها في الوقت نفسه.
ومع التحولات السياسية التي شهدها العراق، برز أحمد هردي بوصفه شخصية ثقافية ذات حضور عام. وبعد صدور بيان الحادي عشر من آذار 1970، الذي منح الأكراد حكماً ذاتياً ضمن اتفاق سياسي مع الحكومة العراقية، عُيّن محاضراً في كلية الآداب بجامعة السليمانية خلال المدة بين عامي 1973 و1974، وأسهم في تدريس الأدب ونقل خبرته إلى جيل جديد من الطلبة، مؤمناً بأن النهضة الثقافية تبدأ من الجامعة كما تبدأ من الكتاب.
غير أن الأوضاع السياسية لم تترك له فرصة الاستقرار. فبعد اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران سنة 1975، وما ترتب عليها من انهيار الحركة الكردية المسلحة آنذاك، اضطر إلى مغادرة العراق متوجهاً إلى إيران، شأنه شأن عدد كبير من المثقفين والسياسيين الأكراد. وكانت تجربة المنفى محطة مؤلمة في حياته، أضافت إلى شعره أبعاداً جديدة من الحنين والاغتراب، ورسخت لديه الإحساس بفقدان المكان الأول، وهو إحساس سيظل يرافقه في كثير من قصائده اللاحقة.
وفي عام 1992 انتقل إلى العاصمة البريطانية لندن، حيث أقام سنوات من حياته بعيداً عن وطنه، لكنه ظل متابعاً للشأن الثقافي الكردي، محافظاً على حضوره الأدبي، ومواصلاً الكتابة التي بقيت بالنسبة إليه وسيلة لمقاومة النسيان والحفاظ على الهوية. وبعد سنوات المنفى، عاد إلى كردستان، ليرحل في مدينة السليمانية يوم التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر سنة 2006، مختتماً مسيرة امتدت أكثر من نصف قرن من العطاء الشعري والفكري.
وتتميز تجربة أحمد هردي بصدقها الإنساني، إذ لا تنفصل قصائده عن سيرته الشخصية. فقد عالج موضوعات الحب والحرية والغربة واليأس والأمل، وجعل من التجربة الذاتية مدخلاً للتعبير عن معاناة المجتمع بأسره. ولهذا وجد الباحثون في شعره مادة خصبة للدراسة والتحليل، ولا سيما من الناحية النفسية.
ومن أبرز الدراسات التي تناولت شعره البحث الموسوم «أسباب التشاؤم في أشعار أحمد هردي»، الذي نشر في مجلة كلية التربية بجامعة صلاح الدين، وأعدّه الباحثان أمجد رحمن قادر وسردار أحمد كردي. وقد خلصت الدراسة إلى أن النزعة التشاؤمية في شعر هردي لا تمثل موقفاً عابراً، بل هي نتاج تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وسياسية متعددة. وأشارت إلى تأثره بالرومانسية العربية، ولا سيما بشعراء مدرستي المهجر وأبولو، الذين انعكست رؤيتهم الوجدانية في كثير من نصوصه.
وبيّن الباحثان أن تشاؤم هردي يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية: أولها ما تعرض له من أحداث مؤلمة وكوارث شخصية، وثانيها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشها الشعب الكردي، وثالثها الإخفاق في التجارب العاطفية، وهي عناصر امتزجت جميعها في قصائده، فأنتجت شعراً يفيض بالحزن، لكنه لا يخلو من نزعة إنسانية عميقة وإيمان خفي بإمكان تجاوز الألم.
لقد استطاع أحمد هردي أن يحول معاناته الفردية إلى تجربة شعرية ذات أفق إنساني واسع، وأن يجعل من القصيدة الكردية مساحة للتأمل في قضايا الإنسان والوطن والوجود. ومن هنا بقي اسمه حاضراً في ذاكرة الأدب الكردي، لا بوصفه شاعراً فحسب، بل بوصفه واحداً من الذين أسهموا في تحديث القصيدة الكردية، وربطها بالتيارات الأدبية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية واللغوية.
وقد استندت هذه السيرة إلى المعلومات الواردة عن حياة أحمد هردي ومؤلفاته، وإلى الدراسة الأكاديمية «أسباب التشاؤم في أشعار أحمد هردي» المنشورة في مجلة كلية التربية بجامعة صلاح الدين، من إعداد أمجد رحمن قادر وسردار أحمد كردي، التي قدمت تحليلاً نفسياً وأدبياً معمقاً لتجربته الشعرية، وأبرزت العوامل الفكرية والوجدانية التي أسهمت في تشكيل عالمه الإبداعي.

قد يعجبك ايضا