د . صباح ايليا القس
يقول ابو الفرج الاصفهاني في كتابه ( الاغاني ) إن السبب المباشر الذي دفع أبا عنترة الى ادعائه ( اي الاعتراف بنسبه ) هو ان بعض احياء العرب اغاروا على بني عبس فأصابوا منهم ( اي أخذوا منهم سبايا ) واستاقوا إبلا , فتبعهم العبسيون ولحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذ فيهم – فقال له ابوه ( كر ) ( بمعنى إهجم وقاتل معنا ) فقال : العبد لا يُحسن الكر وانما يحسن الحلاب والصر . فقال ابوه : كر وأنت حر فكر عنترة وهو يقول :
انـــــــا الهجيــــن عنتـــــــرة كـــل امـــرئ يحمـــي حَــــرَه
وقاتل يومئذ قتالا حسنا فادعاه ابوه وألحق به نسبه هذا المقطع يعطينا تصورا كاملا عن حالة قلق عنتره بسبب عدم اعتراف أبيه بنسبته اليه وهذا الامر يشكل عارا على الفتى كذلك سواد اللون الذي هو لون العبيد بوصفه من امرأة جارية سوداء .
اعتراف الاب بأبوة عنترة كان دافعا لهذا الفتى أن يأخذ زمام القيادة بما اشتمل عليه من قوة وشجاعة أعطته المكانة التي يستحقها في قيادة القبيلة بل ويتقدم الصفوف عند المنازلة .
تقول الرواية ” ان عمر بن الخطاب سأل الحطيئة الشاعر يوماً : كيف كنتم في حربكم ؟ فقال الحطيئة : كان قيس بن زهير فينا .. وكان حازما ً – فكنّا لا نعصيه وكان فارسنا عنترة فكنا نحمل اذا حمل ونحجم اذ حجم ” والجملة الاخيرة إقرار بالشجاعة والتقدم والقيادة ..
لكن هذه الصورة استلهمها القصاصون في العصر العباسي ونسجوا عنها عددا من الاساطير والخرافات وجعلوا من عنترة شخصية اسطورية بعيدة كل البعد عن واقع الحال , والسبب ان القصة تحدثت عن امور تستهوي السامعين بوصفها قضية تتضمن الحب الذي يظهره عنترة نحو عبلة والبطولة القوية فضلا عن السلوك والاخلاق والقيم المتعارف عليها فكل هذه الصفات مما يغري السامعين فكانت قصص عنترة بن شداد المتشابكة بين الواقعي والخيالي والاسطوري وتداخل الانسان والجان بحيث تسربت بعض تلك القصص الى سيرته الذاتية الحقيقية بقصد او بدون قصد لا سيما ان امتنا لم يكن لها مدونات خطّية بل ان عصر التدوين ابتدأ في نهاية العصر الاموي .
إن قيادة قبيلة عبس ليس بالامر السهل لانها قبيلة كبيرة واسعة الاطراف تمتد وتسيطر على مساحات واسعة في ارض الجزيرة , ولكن متى تطلّب الامر فأنهم يلجؤون اليه ويستجيرون به بل ان اسمه بوصفه قائدا يرعب الآخرين ويحجم اقدارهم يقول :
يدعـــون عنتــــــر والرمــــاح كأنهـــــا أشطـــان بئــــــر فــي لبـــان الادهــــمِ
ولقــــد شفـــى نفســي وأذهــب سقمهــا قَيْـــل النـــوارس ويــك عنتــــر أقــــدم
واضح ان عنترة في الابيات المتقدمة كأنما يجري استعراضا لذاته القلقة المعذبة سابقا وما يشهده من تعويض نفسي واستقرار عاطفي عندما يعترفون بقدرته ويطلبون مساعدته في المنازلات حينها تطيب نفسه ويذهب قلقها وتوترها ويشعر بالزهو والسعادة .
وعلى الرغم من هذا الاعتراف وهذه القيادة لكن بعضهم حاول أن ينال منه بسبب ان امه ليست عربية وهذا ما سبب له حرجا لكنه وبطبيعة الشاعر في تسويغ الامر والخروج من هذا القلق الى مقام السادة الاعيان نراه يقول :
فـــــإن تـــــكُ امـّــــي غرابيــــــــة مــــن أبنـــاء حـــــام بهـــــا عبْتنــــي
فأنــــي لطيــــفٌ ببيـــــض الظبــــى وسمـــــــــر العوالـــــــي اذا جئتنــــي
فالتعويض حاصل اذا استبدل سواد امه وسواد لونه بالصفات الطيبة والشجاعة المتميزة ( بيض الظبى ) يعني السيوف و ( سمر العوالي ) يعني الرماح ..
واذا ابتعد عنترة عن الانا الشخصية فأنه يثبت كيانه ووجوده الفعلي بوساطة الفعل القبلي والدفاع في المنازلات مشاركة وقيادة يقول :
اذا مـــا مشــــوا فــي السابغـات حسبتهـــم ســــــيولا وقـد جــــــاءت بهـــنَّ الاباطــح
ويقول متباهيا بنفسه وشجاعته :
وسيفـــي صــــــارم قبضــــتْ عليــــــــه أشاجــــــــع لا تـــــرى فيهـــــا انتشـــــــارا
ويقول منتشيا حينما تعترف عبلة بل وتعجب به يقول :
عجبـــتْ عُبيْلــــةُ مـــــن فتــــــى مبتــــذلِ عـــاري الاشاجـــع شاحــــب كالمنصــــل
شعـــــثُ المفـــــارق منهـــج سربالــــــــه لـــــم يدّهــــنْ حــــــولا ولــــــم يترجـّـــــل
لا بد من القول ان المقاتل البطل لا يعرف متى تكون نهايته لذلك فهو يخاطب عبلة بوصفه بطلا يؤمن بقدرة الله الذي بيده الموت والحياة يقول :
يـــا عَبـْــــلُ أيـــن مـــن المنيــــة مهربــــي إن كــــــان ربـــي فــــي السمــــاء قضاهـــــا
يلاحظ مما سبق إن طبيعة المجتمع وقيوده فرضت حضورها على سلوك الشاعر في علاقاته الاجتماعية التي أثرت في المحطات العاطفية بينه وبين عبلة الحاضرة في عطائه الشعري دائما .