محمد علي محيي الدين
يُعدّ الفنان حميد المحل واحداً من الشخصيات العراقية النادرة التي يصعب حصرها في إطار فني واحد، فقد جمع بين الرسم والكاريكاتير والتمثيل والكتابة والإخراج والتصميم المسرحي، وأسهم في الصحافة وفي أدب الطفل، حتى بدا وكأنه مشروع ثقافي متكامل، لا مجرد فنان متعدد المواهب. لقد عاش حياته مؤمناً بأن الفن رسالة تربوية واجتماعية قبل أن يكون وسيلة للترفيه، ولذلك ظل حضوره مؤثراً في الذاكرة العراقية، سواء من خلال رسومه الساخرة، أو أدواره التمثيلية، أو مجلته الرائدة للأطفال، أو أعماله التي شكلت جزءاً من البدايات الأولى للإذاعة والتلفزيون العراقي.

وتكشف المقابلة التي نشرتها ملحق “ذاكرة عراقية” في جريدة المدى بتاريخ 22 تشرين الثاني 2009، تحت عنوان «حميد المحل.. الفنان الذي استلبته الهواية!»، عن ملامح هذه الشخصية الاستثنائية، إذ تصفه بأنه الفنان الذي كانت رسوماته الكاريكاتيرية في العهد الملكي تتسبب أحياناً في إيقاف الصحف التي تنشرها، لما اتسمت به من جرأة في النقد الاجتماعي والسياسي، ثم أصبح بعد سنوات وجهاً مألوفاً في التلفزيون العراقي وصوتاً قريباً من الناس عبر الإذاعة، مقدماً شخصيات شعبية كوميدية امتزج فيها الضحك بالنقد، والفكاهة بالرسالة التربوية.
ولد حميد المحل في مدينة الخالص بمحافظة ديالى، لأسرة موصلية الأصل، إذ كان والده من أبناء الموصل الذين استقروا في الخالص، وهناك نشأ الطفل الذي لم يعرف في سنواته الأولى سوى الرسم والتمثيل، حتى أصبحت الهواية، كما وصفها هو بنفسه، قدراً استولى على حياته كلها. وكان يقول إنه لا يستطيع أن يحدد أي الفنين أحب أولاً، الرسم أم التمثيل، لأنهما ولدا معه في اللحظة نفسها، وظلا يسيران جنباً إلى جنب طوال عمره.
ومن الطرائف التي كان يرويها عن طفولته أنه قطع المسافة بين الخالص وبعقوبة سيراً على الأقدام وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ليحصل على أدوات رسم اشتراها له شقيقه الأكبر جهاد المحل، في دلالة على شغفه المبكر بالفن، واستعداده لتحمل المشقة في سبيل تنمية موهبته. وفي السن نفسها تقريباً وقف لأول مرة على خشبة المسرح عندما زارت فرقة الفنان الرائد حقي الشبلي مدينة الخالص، فشارك في أحد عروضها بدور طفل صغير، وكانت تلك اللحظة بداية علاقة طويلة مع المسرح.
ولم ينتظر حميد المحل حتى يكبر ليصنع مسرحه، بل أقام مع أصدقائه مسرحاً بسيطاً فوق سطح منزل أسرته، يدعون إليه أبناء المحلة لمشاهدة عروض يؤلفها بنفسه، مستلهماً موضوعاتها من الشخصيات الشعبية أو من قصص التاريخ التي كان يقرؤها في كتبه المدرسية. كما أنشأ في المرحلة الابتدائية مجلة خطية سماها «المنبر»، ثم كان من أوائل الطلبة الذين أصدروا صحيفة جدارية في دار المعلمين سنة 1940، وهو ما يكشف عن شخصية مبادرة جمعت منذ الصغر بين الفن والصحافة والكتابة.
وتدرج في دراسته الفنية حتى التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، إذ وجد نفسه وسط نخبة من الفنانين الذين أصبحوا فيما بعد من أعلام الثقافة العراقية. وفي المعهد تشكلت فرقة «الزبانية» الشهيرة بإشراف الأستاذ حقي الشبلي، وضمت أسماء أصبحت لاحقاً من كبار الفنانين، منهم ناجي الراوي، وفخري الزبيدي، وناظم الغزالي، وحامد الأطرقجي، ومحمود قطان، ثم انضم إليها محمد القيسي وجميل الخاصكي وغيرهم.
وكان حميد المحل من أبرز عناصر هذه الفرقة، إذ لم يقتصر دوره على التمثيل، بل كتب معظم النصوص التي قدمتها، ومنها مسرحيات «الامتحان» و«الشوك» و«عزم الرجال» و«دنيا» و«عبوسي»، وهي أعمال اتسمت بالنقد الاجتماعي اللاذع، لكنها صيغت بروح كوميدية جعلتها قريبة من الجمهور. وقد مثلت هذه التجربة إحدى اللبنات الأولى للمسرح الكوميدي العراقي الحديث، وأسهمت في تخريج جيل من الفنانين الذين أصبحوا فيما بعد رموزاً للفن العراقي.
وكان حميد المحل يرى أن الفنان الحقيقي لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنع فرصته بنفسه، ولذلك ظل يردد أن جيله “حفر الصخر” حتى يثبت وجوده، وأن الفنانين الشباب يمتلكون اليوم إمكانات لم تكن متاحة في خمسينيات القرن الماضي، وعليهم أن يحسنوا استثمارها.
وفي مطلع الخمسينيات أوفد إلى باريس لإكمال دراسته في الفنون التشكيلية والتطبيقية، وكانت تلك المرحلة منعطفاً مهماً في مسيرته الفنية، إذ اطلع على المدارس الأوروبية الحديثة في الرسم والتصميم، وشارك في عدد من المعارض الفنية، وحصل على جوائز ومداليات، من بينها الجائزة الأولى في أحد المعارض، الأمر الذي أكد موهبته التشكيلية وقدرته على منافسة الفنانين في المحافل الدولية.
وعندما عاد إلى العراق سنة 1958، وجد التلفزيون العراقي في بداياته الأولى، فعُين رئيساً لقسم الديكور، وسرعان ما أحدث نقلة نوعية في تصميم المشاهد التلفزيونية، إذ كان أول من أدخل الديكور المجسم إلى البرامج العراقية، بعد أن كانت الديكورات تقتصر على الخلفيات المسطحة. وقد أسهم هذا التطوير في رفع المستوى الفني للإنتاج التلفزيوني، وبقي يشرف على هذا القسم حتى سنة 1964، واضعاً أسساً فنية أفاد منها من جاء بعده.
ولم ينس خلال تلك السنوات جمهوره الصغير، فقد كان يؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من الطفولة، ولذلك بادر، بعد عودته من فرنسا، إلى إصدار مجلة «صندوق الدنيا» سنة 1958، وهي من أوائل المجلات العراقية المتخصصة بالأطفال. وقد جاءت المجلة مختلفة عن السائد آنذاك، إذ جمعت بين القصة والرسم والتسلية والثقافة، وسعت إلى غرس حب الوطن والقيم الأخلاقية في نفوس الناشئة بأسلوب مشوق بعيد عن المباشرة.
واستطاعت «صندوق الدنيا» أن تحقق انتشاراً واسعاً في مختلف المحافظات العراقية، وكانت تصل إلى هيئة تحريرها مئات الرسائل من الأطفال، وهو ما يعكس نجاحها في بناء علاقة مباشرة مع قرائها. غير أن هذه التجربة الرائدة لم تستمر سوى حتى سنة 1962، حين أوقفتها وزارة التربية بعد أن قررت إصدار مجلة رسمية للأطفال، لتنتهي بذلك واحدة من أجمل المبادرات الثقافية المستقلة في تاريخ صحافة الطفل العراقية.
أما في مجال الكاريكاتير، فقد كان حميد المحل من أوائل الرسامين الذين استخدموا هذا الفن بوصفه أداة للنقد الاجتماعي والسياسي. وتميزت رسوماته بخطوطها البسيطة ورسائلها العميقة، حتى إن بعضها تسبب في تعطيل صدور صحف خلال العهد الملكي، وهو ما يعكس الجرأة التي اتسم بها، وإيمانه بأن الكاريكاتير ليس رسماً للابتسام فقط، بل وسيلة للإصلاح وكشف مواطن الخلل.
وعلى شاشة التلفزيون وفي الإذاعة، قدم حميد المحل عشرات الشخصيات الكوميدية التي استمدها من البيئة العراقية، فكانت شخصياته الشعبية مرآة للمجتمع، تضحك الناس بقدر ما تدعوهم إلى التفكير. وقد عرفه الجمهور من خلال أدواره التي امتزج فيها الأداء الطبيعي بالروح الساخرة، حتى أصبح واحداً من الفنانين الذين ارتبطت أصواتهم وملامحهم بذاكرة العراقيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
لقد كان حميد المحل نموذجاً للفنان الموسوعي، الذي لم يعرف الحدود بين الفنون، فالرسم عنده امتداد للمسرح، والمسرح امتداد للصحافة، والصحافة امتداد للتربية، وكلها تصب في خدمة الإنسان والمجتمع. وربما كان هذا التعدد سبباً في أن اسمه لم يُحصر في مجال واحد، لكنه في المقابل جعل أثره حاضراً في أكثر من ميدان من ميادين الثقافة العراقية.
وإذا كانت الأجيال الجديدة تعرفه ممثلاً أو رسام كاريكاتير، فإن من يتتبع سيرته يدرك أنه كان واحداً من بناة الثقافة البصرية في العراق، ومن أوائل المهتمين بأدب الطفل، ومن الرواد الذين أسهموا في تطوير المسرح والتلفزيون والصحافة الفنية. ولهذا يستحق أن يُذكر بوصفه أحد الفنانين الذين جسدوا معنى الالتزام الثقافي، وجعلوا من الفن وسيلة لبناء الذوق العام وتعزيز القيم الإنسانية.
وقد استندت هذه الترجمة إلى المقابلة التي نشرتها ملحق “ذاكرة عراقية” في جريدة المدى بعنوان «حميد المحل.. الفنان الذي استلبته الهواية!» بتاريخ 22 تشرين الثاني 2009، فضلاً عن ما ورد في مجلة الإذاعة والتلفزيون (نيسان 1975)، وما توفر من معلومات عن سيرته الفنية ودوره في المسرح والتلفزيون العراقي وحركة صحافة الطفل في العراق.