محمد علي محيي الدين
يُعدّ الأديب والقاص العراقي حنون مجيد واحداً من الأصوات السردية البارزة في المشهد الأدبي العراقي المعاصر، الذين جمعوا بين التجربة التربوية والاشتغال الثقافي والإبداع القصصي، فشكّل حضوره امتداداً لجيلٍ آمن بأن الأدب ليس ترفاً جمالياً فحسب، بل وسيلة لبناء الوعي وتشكيل الوجدان.
وُلد حنون مجيد في محافظة ميسان عام 1939، في بيئة جنوبية عراقية غنية بالتحولات الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي انعكس لاحقاً على كتاباته التي احتفظت بذاكرة المكان ودفء التفاصيل الإنسانية. وبعد مسيرته الدراسية حصل على بكالوريوس في التربية وعلم النفس، وهو اختصاص منح تجربته الأدبية بعداً معرفياً واضحاً، خصوصاً في فهم النفس البشرية ودوافعها وتناقضاتها.
عمل في سلك التعليم لأكثر من ربع قرن، متنقلاً بين مدارس ميسان وبغداد، حيث كان قريباً من الأجيال الجديدة، مراقباً تطور المجتمع من خلال عيون الطلبة والبيئة المدرسية. وقد أسهمت هذه التجربة الطويلة في صقل رؤيته الإنسانية، ومنحته مادة خصبة انعكست في قصصه ورواياته، خاصة تلك التي تناولت الطفولة والتحولات الاجتماعية.

ولم يقتصر حضوره على التعليم، بل امتد إلى الحقل الثقافي والإعلامي، إذ تولى مسؤولية الصفحة الثقافية في جريدة “طريق الشعب”، وهي منابر كانت تمثل فضاءً مهماً للحوار الفكري والنقد الأدبي. كما عمل في تحرير سلسلة الموسوعة الثقافية في دار الشؤون الثقافية العامة، مساهماً في تنظيم وإغناء المحتوى المعرفي الذي يُقدَّم للقارئ العربي.
اتسم إنتاجه الأدبي بالتنوع، إذ كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية، إضافة إلى قصص الأطفال، وهو مجال برع فيه بشكل خاص، حيث استطاع أن يخاطب عالم الطفولة بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد، تجمع بين الخيال والتربية والقيم الإنسانية. وقد نشر العديد من قصصه في صحف ومجلات عراقية وعربية مرموقة، من بينها “الآداب” اللبنانية، و“أفكار” الأردنية، و“الرافد” الإماراتية، و“الكاتب العربي” السورية، ما يعكس حضوراً عربياً لافتاً لتجربته السردية.
ولم تقتصر أهمية أعماله على انتشارها المحلي والعربي، بل امتدت إلى فضاء الترجمة، إذ تُرجمت العديد من قصصه إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وهو ما يدل على عالمية موضوعاته وقدرتها على تجاوز حدود اللغة والثقافة، خصوصاً تلك التي تناولت الإنسان في أبعاده النفسية والاجتماعية.
وقد صدرت له عن دار ثقافة الأطفال مجموعة من الكتب الموجهة للصغار، جاءت في سلسلة قصصية مهمة، من أبرزها: “مغامرة في ليل الغابة” (2005)، و“ديكو يتزوج جيجي” (2011)، و“سليمان الراعي” (2013)، و“سر الحلاوة” (2014)، و“القرد الطيب والعجوز” (2020)، و“عناقيد” (2023)، وهي أعمال تعكس اهتمامه العميق ببناء وعي الطفل وتقديم القيم بأسلوب قصصي ممتع وهادئ.
كما شغل حنون مجيد موقعاً مهماً في الحياة الثقافية العراقية، إذ كان عضواً في المجلس المركزي لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين لعدة دورات، ثم انخرط في المكتب التنفيذي، قبل أن يتولى منصب الأمين العام للاتحاد، وهو موقع يعكس الثقة التي حظي بها داخل الوسط الأدبي ودوره في إدارة الشأن الثقافي العام.
لقد مثّل حنون مجيد نموذجاً للأديب الذي جمع بين الممارسة التربوية والإبداع الأدبي والعمل المؤسسي الثقافي، فكان قريباً من الناس والطلبة والكتاب في آن واحد، وظلّ حضوره علامة في مسار القصة العراقية الحديثة، خصوصاً في مجال أدب الطفل والسرد الإنساني الذي يلامس الحياة اليومية بصدق ودفء.