صبري بوتاني شاعر القضية

محمد علي محيي الدين

يُعدّ صبري بوتاني من أبرز شعراء الحركة الأدبية الكردية في العراق خلال القرن العشرين، إذ جمع في شخصيته بين الشاعر والصحفي والكاتب والمترجم والمناضل السياسي، فجاء شعره معبّراً عن هموم الإنسان الكردي، ومشبَعاً بقيم الحرية والكرامة والانتماء. ولم تكن تجربته الأدبية منفصلة عن سيرته النضالية، بل كانت القصيدة عنده امتداداً للموقف، والكلمة رديفاً للفعل، ولذلك ارتبط اسمه بالحركة الوطنية الكردية كما ارتبط بالحركة الثقافية، حتى غدا أحد الأصوات التي حفظت للقصيدة الكردية حضورها في سنوات التحولات الكبرى.

تشير موسوعة المطبعي إلى أنه ولد سنة 1925 في منطقة دهوك، وبدأ تعليمه في الكتاتيب، ثم شرع في كتابة الشعر منذ أربعينيات القرن الماضي، ونشر قصائده في الصحف المحلية، قبل أن تتغنى بها أصوات عدد من المطربين الكرد المعروفين، كما عمل في جريدة العراق، وكان عضواً في اتحاد الأدباء، وأصدر ديوانه «شين وشادي» سنة 1979، ثم ديوان «دلستان» سنة 1984 (موسوعة المطبعي، ج1، ص386).

غير أن سيرة حياته، كما رواها ابنه الفنان بشير بوتاني في مقال توثيقي نشره على صفحته الشخصية، تضيف أبعاداً أخرى إلى هذه الشخصية، وتكشف عن مسيرة إنسانية وسياسية معقدة ارتبطت بتاريخ الشعب الكردي في القرن العشرين. فبحسب تلك الشهادة، وُلد صبري في إحدى قرى منطقة بوطان، إلا أن سنة ميلاده بقيت موضع اختلاف؛ إذ تربط بعض الروايات ولادته بعام 1925، في حين يذهب أقاربه إلى أنه ربما وُلد قرابة سنة 1920، مستندين إلى شهادات معاصرين من أبناء العائلة. ويبدو أن اضطراب الأحوال السياسية آنذاك، وما رافقها من هجرات وفقدان للوثائق الرسمية، أسهم في هذا الاختلاف، وهو أمر مألوف في سير كثير من أبناء تلك المرحلة.

نشأ صبري في زمن اتسم بالاضطرابات السياسية، إذ عاشت منطقة بوطان آثار الثورات الكردية المتعاقبة، وكان لا يزال طفلاً عندما شهدت المنطقة تداعيات انتفاضات العشائر الكردية ضد السلطة التركية. وبعد فشل انتفاضة عشيرة جيليان سنة 1929، اضطرت أسرته، شأن كثير من الأسر الكردية، إلى النزوح نحو كردستان سوريا، حيث استقرت في منطقة الجزيرة، متنقلة بين عين ديوار وديريك وغيرها من البلدات. وهناك أمضى أكثر من عقدين من حياته دون أن يحصل هو وأفراد أسرته على الجنسية السورية، وهو ما ترك أثراً عميقاً في وعيه بقضايا الهوية والانتماء.

وفي سنة 1943 غادر مع عائلته إلى العراق، ليستقر أولاً في زاخو ثم في الموصل، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، اقترنت بالنشاط السياسي والثقافي. فانضم إلى حزب هيوا، وأسهم في دعم ثورة بارزان الثانية (1943-1945)، قبل أن ينضم سنة 1946 إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد حل حزب هيوا، ليصبح من كوادره النشطة، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله وسجنه في الموصل بسبب نشاطه السياسي.

وعلى الرغم من انشغاله بالنضال، لم ينقطع عن حياته الاجتماعية، فتزوج سنة 1947 من ابنة عمه سوركول (Sorgul)، وسعى إلى تأمين معيشة أسرته، فعمل في محطة قطار الموصل، ثم عاد إلى زاخو سنة 1957 وافتتح محلاً لبيع المواد الغذائية، غير أن طباعه الكريمة وبيعه بالدين لأهالي المدينة أوقعته في خسائر أجبرته على إغلاق متجره، فعاد إلى الموصل، حيث عمل كاتباً للعرائض بالقرب من مديرية الشرطة، وهي مهنة قربته من عامة الناس وأبقت صلته اليومية بالمجتمع.

ومع اندلاع ثورة أيلول سنة 1961، اتسع دوره السياسي، فكلفته قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بمهام تنظيمية في الموصل إلى جانب القيادي علي عسكري، ثم أصبح عضواً في اللجنة المحلية للحزب في زاخو سنة 1962، قبل أن ينقل سنة 1964 إلى كركوك مسؤولاً عن اللجنة المحلية للفرع الثالث. وهناك ألقي القبض عليه وأودع السجن العسكري، غير أن الحزب تمكن، وفق ما يرويه ابنه، من تنفيذ عملية لتحريره أثناء نقله إلى محكمة الموصل، فالتحق مباشرة بقوات الثورة، في واحدة من أكثر محطات حياته إثارة.

وفي سنة 1967 أسندت إليه مسؤولية استخبارات الثورة (دائرة اللاسلكي)، وهو موقع يعكس حجم الثقة التي حظي بها داخل الحركة الكردية، واستمر في أداء أدواره السياسية إلى جانب نشاطه الثقافي، مؤمناً بأن الكلمة والبندقية يمكن أن تلتقيا حين يتعلق الأمر بالدفاع عن هوية شعبه وحقوقه.

ومع ذلك، ظل الشعر هو المجال الأوسع لحضوره الثقافي. فقد بدأ كتابة القصيدة منذ أربعينيات القرن الماضي، ونشر نتاجه في الصحف والمجلات الكردية، وتميز شعره بالجمع بين الهم الوطني والبعد الإنساني، حتى أصبحت قصائده مادة يغنيها كبار الفنانين الكرد، وفي مقدمتهم محمد شيخو وجوان حاجو وغيرهما، الأمر الذي أسهم في انتشار شعره بين الجمهور، ومنحه حضوراً تجاوز حدود الكتاب المطبوع.

كما عمل في الصحافة والترجمة، وكتب المقالة الأدبية، فكان من المثقفين الذين رأوا أن الدفاع عن اللغة الكردية وثقافتها يبدأ بالكلمة المكتوبة كما يبدأ بالأغنية والقصيدة. وقد أثمرت هذه الجهود عن إصدار ثلاثة دواوين شعرية باللغة الكردية، هي: «شين وشادي» (الحزن والسرور)، و«دلستان» (روضة القلوب)، و«دنكي متين وجودي» (صوت متين وجودي)، فضلاً عن مخطوطات أخرى بقيت غير منشورة، بحسب ما ذكره ابنه.

وفي عام 1992 اضطر إلى مغادرة العراق ليستقر لاجئاً في مملكة النرويج، حيث واصل اهتمامه بالأدب والثقافة حتى وفاته في 25 تشرين الأول 1998، بعد حياة امتدت قرابة ثمانية عقود، تنقل فيها بين المنافي والسجون وميادين العمل الثقافي والسياسي، دون أن يفقد إيمانه برسالة الشعر.

وتجمع المصادر على أن صبري بوتاني كان من الأدباء الكرد الملتزمين الذين لم يجعلوا من الأدب ترفاً ثقافياً، بل وسيلة للدفاع عن الهوية والحرية، وقد وثقت موسوعة المطبعي ملامح سيرته وإصداراته الأدبية (ج1، ص386)، بينما أضاف المقال التوثيقي الذي كتبه ابنه الفنان بشير بوتاني تفاصيل مهمة عن حياته السياسية والاجتماعية، وهجراته، ونشاطه الحزبي، وظروف تأليفه لدواوينه، مما يمنح صورة أكثر اكتمالاً عن هذه الشخصية التي جمعت بين الشاعر والمناضل والكاتب والصحفي.

لقد كان صبري بوتاني من أولئك الشعراء الذين لم يكتبوا القصيدة من برجٍ عاجي، بل صاغوها من تجارب الحياة والمنفى والسجن والكفاح. ولهذا بقي شعره وثيقةً لمرحلة تاريخية، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفه أحد الأصوات التي اقترنت بالكلمة الحرة، والإيمان العميق بأن الأدب يستطيع أن يحفظ هوية الشعوب، حتى في أشد الأزمنة قسوة.

قد يعجبك ايضا