تموز والعراقيين

أصبح شهر تموز، بالنسبة للعراقيين، مصدرًا للخوف والقلق كلما اقترب موعد حلوله، بعدما ارتبط في الذاكرة الوطنية بأحداث دامية امتدت لأكثر من سبعين عامًا. وكما كانت العائلات العراقية قديمًا تتشاءم من شهر صفر، حتى بلغ بها الأمر كسر الأواني اتقاءً للنحس وفق الموروث الشعبي، فقد انتقل هذا الشعور مع مرور الزمن إلى شهر تموز.

وتموز هو الشهر السابع في السنة الميلادية، ويقابله شهر رجب في السنة الهجرية. وتعددت الروايات حول أصل تسميته؛ فمنها ما ينسبها إلى يوليوس قيصر، ومنها ما يرتبط بالأساطير القديمة التي تتحدث عن الإله تموز، رمز الخصب والحياة، الذي قُتل بعد أن طعنه خنزير بري، ثم ابتلعته آلهة القحط والموت. وقد جسدت الحضارة السومرية هذه الأسطورة في كتاباتها الخالدة، حيث تمثل موت إله الخير وما يعقبه من بؤس وجدب قبل عودته إلى الحياة من جديد.

وربما لهذا السبب اقترن اسم تموز، في المخيلة الشعبية، بشدة الحر، وجفاف الأنهار، ويبس النباتات، وحلول القحط. ومع تعاقب الأحداث، ترسخت في وجدان العراقيين دلالات أخرى أكثر إيلامًا، إذ شهد هذا الشهر محطات مأساوية تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الوطنية، بدءًا من أحداث عام 1958 وما رافقها من مقتل أفراد العائلة المالكة، مرورًا بسنوات الإرهاب الأسود، وصولًا إلى جريمة الكرادة المروعة في تموز عام 2016، التي وقعت بعد ليلة القدر المباركة، فهزت ضمير العالم لبشاعتها، بعدما أودت بحياة المئات من الأبرياء، واحترقت فيها الأجساد حتى انصهرت من شدة النيران. ولم تكد جراح العراقيين تلتئم حتى أعقبها الاعتداء على مرقد السيد محمد في قضاء بلد، أحد المراقد المقدسة لدى العراقيين.

لقد أرعبتنا يا تموز، وأفطرت القلوب، وأدمت قلوب الأمهات والآباء بفقد الأبناء والأحفاد. وأسكتَّ ضحكات الأطفال الذين كانوا يحلمون بفرحة العيد، وهم يشترون ملابسهم وألعابهم من شوارع الكرادة، فإذا بهم يحتضنون أحلامهم للمرة الأخيرة قبل أن يخطفهم الموت فجأة.

لقد أحزنت القلوب، وأدمعت العيون، ولا يسعنا إلا أن ندعو الله تعالى أن يحفظ العراق والعراقيين، وأن يوفق حكومتنا الوطنية في مواصلة جهودها لمحاربة الفساد والفاسدين، وأن يجعل من هذا الشهر، رغم ما يحمله من ذكريات مؤلمة، مناسبةً لتعزيز الأمل، وترسيخ الوحدة الوطنية، والتفاف الشعب حول دولته، بما يحقق الأمن والاستقرار، ويعيد للعراق أفراحه التي يستحقها

قد يعجبك ايضا