لماذا نشتم النساء؟ ارث الشرق الأوسط وحوض المتوسط المشترك

محمد النامس

يخبرنا علم اللسانيات أن البشر طوروا اللغة عبر آلاف السنين، وأن الكلمة كانت رديفة التطور الجسدي للإنسان وتمام بدنه، ورافقت الكلمات الإنسان منذ وجوده على الأرض في محاولة لاستمرار نوعه البشري وتسهيل حياته. فإذا كانت اللغة في البداية عبارة عن أصوات للتواصل مع قرينه الإنساني للتزاوج أو لتحذيره من خطر الكائنات المفترسة أو لنداءات الصيد، ومع مرور السنوات اكتملت الحنجرة الصوتية مع اللسان والشفاه وحركة الأيدي، وبدأت تتشكل أول الأصوات التي تخرج من الفم بطريقة بدائية تشبه أصوات الحيوانات الحالية إلى أن ظهرت اللغة بشكلها الحالي، وحين اكتملت اللغة وامتزجت الكلمات، فكان منها السيئ والجيد، والحسن والمقيت، والمدح والهجاء، فكان لا بد من الكلمات النابية التي تقلل من الآخر وتهين كرامته وتنتقص من إنسانيته. إذ يقول آرثر شوبنهاور، فيلسوف السعادة، إن الشتيمة هي الملاذ الأخير لمن خسر النقاش، لكن لماذا نشتم؟
يجيب علم النفس عن هذا السؤال ليعتبر الشتيمة وسيلة للتنفيس، أو العدوان، أو فرض الهيمنة، أو الدفاع عن الذات، أو حتى بناء الانتماء داخل جماعة. فعلم النفس وحتى الفلسفة تعتبرها سلوكًا إنسانيًا طبيعيًا تطور مع تطور الإنسان للتعبير عن انفعالاته وتصوراته ومشاعره في حالات الغضب والحزن وحتى السعادة، لكن استمرار الشتائم وكثرة السب وتكرارها يعبران عن فجوة أخلاقية.
والآن ، لا يكاد يخلو مجتمع من أشكال مختلفة من الشتائم، لكن لماذا كلمات السب لدينا مختلفة عن بقية المجتمعات؟
يظهر جليًا في مجتمع الشرق الأوسط وحتى حوض البحر المتوسط أن الشتيمة والقذف ضد النساء على الأغلب. هذا النوع من التعيير والقذف له جذور ضاربة في القدم، إذ تعتبر المرأة في هذه المجتمعات حارسة باب العفة للأسرة ومنتجة الأنساب، كان يُعتقد أن سمعة النساء تؤثر في مكانة القبيلة وفرص التحالف والزواج, إذا مارست المرأة الجنس خارج إطار الزواج, لذا فإن الشرف والسمعة، اللذين كانا يعتبران رأس المال الاجتماعي، مرتبطان بالنساء. ولم تكن عفة المرأة قيمة أخلاقية معزولة، بل كانت العمود الحامل لكل البنية السياسية والاقتصادية للقبيلة، فهي المسؤولة عن النسب وأحقيتها بالإرث. فخرجت المرأة من العباءة الفردية إلى مسؤولية الأسرة والقبيلة، إذ كانت القبائل تعاني من قلة حلفائها وندرة زواج رجالها بسبب السمعة التي يكتسبونها من نسائهم، حيث كانت حماية النساء أثناء الغزو بين القبائل تعبر عن تفوق عسكري أمام الخصوم. هذا الكلام يشبه ما قاله ابن خلدون في العصبية، حيث ذكر: “أن تراخي حماية العِرض إشارة إلى انحدار العصبية كلها، تمامًا كتراخي الرد على الهجاء”. استمرت ثقافة القذف وتعيير الآخر بنسائه أو شتم أسرته إلى يومنا هذا لأننا ورثة الثقافة الغابرة، والثقافة لا تتغير بسهولة وتدوم أكثر من القوانين. وحتى مع قيام الدولة الحديثة، بقيت كثير من المجتمعات العربية تنظر إلى المرأة باعتبارها رمزًا لسمعة العائلة، وهو تصور تمتد جذوره إلى البنية القبلية القديمة أكثر مما يعكس الواقع المعاصر.
إذ لا تعتبر كلمة السارق أو الخائن أو الكذاب أو المنافق شتيمة أو مسبة أو قذفًا أو تعييرًا، لأن ليست لهذه الكلمات جذور نفسية في تراثنا، ونجدها مفردات طبيعية استخدمناها في الحروب للانتصار.
إن كثرة الشتائم لا تعني بالضرورة أن مجتمعنا أكثر عنفاً من غيره، لكنها تكشف أن ذاكرتنا الثقافية ما زالت تحمل آثار النظام القبلي القديم، حيث كان الشرف والمرأة والنسب أدوات للصراع الاجتماعي. لذلك فإن تغيير لغة الشتائم لا يبدأ بمنع الألفاظ فقط، بل بإعادة تعريف مفهوم الشرف نفسه.

قد يعجبك ايضا