متابعة – التآخي
كشفت دراسة عالمية جديدة أن الحياة البحرية حول العالم تعرضت لأضرار واسعة النطاق خلال الفترة من حزيران2023 إلى حزيران 2024، وهي المدة التي تجاوز فيها متوسط درجة حرارة الأرض للمرة الأولى عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهي العتبة التي حددها اتفاق باريس للمناخ باعتبارها حدًا بالغ الأهمية لتجنب أسوأ آثار التغير المناخي.
وأظهرت الدراسة أن تداعيات ارتفاع حرارة المحيطات لم تقتصر على أشهر الصيف، كما كان يُعتقد سابقًا، بل استمرت على مدار العام، بما في ذلك فصلا الخريف والشتاء، ما يشير إلى أن حجم الأضرار البيئية قد يكون أكبر بكثير مما تكشفه برامج الرصد الموسمية التقليدية. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية One Earth العلمية.
قاد الدراسة فريق دولي من الباحثين برئاسة شانون كلاين، الباحثة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) بالسعودية، حيث جمع الفريق بيانات 201 حدث بيئي موثق من الدراسات العلمية والتقارير الحكومية وتقارير منظمات الحفظ البيئي والتغطيات الإعلامية المنشورة بـ 17 لغة مختلفة.
وتعد هذه الدراسة واحدة من أوسع الدراسات التي وثقت تأثيرات الاحترار البحري على النظم البيئية البحرية خلال عام واحد فقط.
وقالت كلاين: “توفر هذه الدراسة صورة واقعية لكيفية استجابة النظم البيئية البحرية خلال فترة استثنائية من ارتفاع درجات حرارة المحيطات”.
وسجلت المحيطات في مدة الدراسة مستويات حرارة غير مسبوقة، إذ ارتفع متوسط حرارة سطح البحر بأكثر من درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، في إطار موجة احترار طويلة عدها العلماء من أشد المراحلحرارة في التاريخ الحديث.
وشملت الآثار البيئية التي وثقها الباحثون تبيض الشعاب المرجانية، وازدهار الطحالب السامة، ونفوق الأسماك والكائنات البحرية، إضافة إلى انهيار بعض الموائل الطبيعية وتراجع إنتاج المصايد البحرية.
وللتأكد من ارتباط هذه الأحداث بارتفاع درجات الحرارة، حلل الباحثون بيانات حرارة المياه خلال الشهرين المحيطين بكل حادثة، ووجدوا أن 98% من الأحداث المسجلة تزامنت مع فترات شهدت درجات حرارة بحرية مرتفعة بشكل استثنائي مقارنة بالمعدلات التاريخية للموقع نفسه.
أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في أن نحو ثلث الأحداث البيئية المسجلة خارج المناطق المدارية وقع خلال مواسم تُعد تقليديًا باردة نسبيًا، مثل الخريف والشتاء.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التأثيرات الناجمة عن الاحترار البحري لم تعد مرتبطة فقط بأشهر الصيف الحارة، بل أصبحت ظاهرة مستمرة على مدار العام.
وقالت كلاين: “من أوضح النتائج التي توصلنا إليها أن التأثيرات لم تعد محصورة في موجات الحر الصيفية التقليدية”.
ويرى الباحثون أن هذا الأمر يكشف وجود فجوة في أنظمة المراقبة الحالية التي تركز غالبًا على أشهر الصيف، ما قد يؤدي إلى تجاهل عدد كبير من الحوادث البيئية التي تقع خارج فترات الرصد المعتادة.
وتظهر الدراسة أن أكثر من نصف الأحداث الموثقة تضمنت حالات نفوق جماعيللكائنات البحرية، شملت الشعاب المرجانية ومصايد الأسماك ومزارع الاستزراع السمكي. ويمثل هذا النوع من الخسائر تهديدًا مباشرًا للجهود العالمية الرامية إلى حماية التنوع البيولوجي وضمان استدامة الموارد الغذائية البحرية.
كما كشفت النتائج أن ارتفاع الحرارة لم يكن العامل الوحيد المسؤول عن الأضرار، إذ تزامن نحو 20% من الأحداث مع أخطار بيئية أخرى مثل العواصف الشديدة أو انخفاض مستويات الأكسجين في المياه، وهو ما ضاعف حجم التأثيرات السلبية على النظم البيئية.وقال كارلوس دوارتي، أستاذ علوم البحار في جامعة الملك عبد الله والمؤلف الرئيسللدراسة: “تتأثر النظم البيئية البحرية بمزيج من العوامل، من بينها ارتفاع حرارة المحيطات والأحداث المناخية المتطرفة”.
وتنسجم نتائج الدراسة مع أبحاث سابقة أظهرت أن حتى المناطق البحرية التي تتمتع بإدارة بيئية جيدة لا تستطيع مقاومة آثار الاحترار الشديد عندما تتجاوز درجات الحرارة حدودًا حرجة.
ففي دراسات سابقة على الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا، تبين أن الشعاب المرجانية تعرضت لمعدلات تبيض متشابهة سواء كانت في مناطق محمية جيدًا أو مناطق متضررة، بمجرد وصول درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة للغاية.
ويشير ذلك إلى أن إجراءات الحماية المحلية، برغم أهميتها، لا تكفي وحدها لمواجهة التأثيرات المتزايدة للاحترار العالمي.