الكورد والعرب في التاريخ والنسب

د. محمد سعيد الطريحي/ هولندا

(منتخبات من موسوعة مواسم كوردستان)

الكورد شعب عريق والامة الكوردية كما هو حال الأُمَّة العربية، من الأُمم الحيَّة ولهما من التاريخ الزاهر والحضارة القديمة ما أسَّس لعلاقات قوية ومتوازنة، شهدت عليها القرون المتتابعة المتطاولة من الصِلات والروابط التأريخية والسمات الثقافية المشتركة التي تُعَزز وتكمِّل كل منهما الآخر، كما هو الحال المستفاد من التجارب التي أفرزتها العلاقات البينيَّة المتطورة بين الأُمَّتين في ظل الدول والإمارات التي ضمَّت الوجود العربي والكوردي على أرضِ الواقع وامتدَّت عبر أربعة عشرَ قرناً وما تزال ثابتة في مكانها، وهي وإن تفاوتت قوة وضعفاً بحسب الظروف الموضوعية المصاحبة لها لكنها تحمل من نقاط القوة المتعاظمة المتلاحمة عبر العصور ما يرسّخ الإيجابية الكامنة فيها فلو أُحسن توجيهها بالنوايا الصادقة والإخلاص والبناء المكين القائم على مصالح الطرفين لأُمكن بعث نهضة ثقافية خلَّاقة للأُمَّتين الشقيقتين وذلك ما يصبو اليه المخلصون اليوم بل هو المطلب المُلِح الذي نفتقر إليه ترسيخا للانتماء الوطني والتقارب الفكري.

ونحن كلَّما أمعنا في المدوَّنات التأريخية وسبرنا غورها بحثاً وتنقيباً وتنقيراً ودراسة تظهر لدينا نتائج مبهجة من التعاون والتعايش والتسامح المتبادل بين العرب والكورد، وربما تناسى البعض ذلك بسبب المزايدات والمصالح السياسية المتباينة، ولهذا رأيت أن يكون موضوع هذه العلاقات واحداً من الأبحاث التي أتناولها بالدراسة والبحث في الموسوعة التي قمت بتحريرها تحت عنوان: (مواسم كردستان)، وضمَّت أكثر من ثلاثين مجلداً توثّق للأُمّة الكوردية عبر التاريخ – صدرت المرحلة الاولى منها بأحد عشر مجلدا- احتجنت ثمانية آلاف صفحة وبين طياتها الكثير من المدوَّنات والأبحاث والوثائق التي تؤرخ وتسجل الشواهد والوقائع ذات الاهتمام المشترك، مسلطة الاضواء على العلاقات العربية – الكوردية، وما زال العمل مستمراً لِإخراج المراحل الباقية من الموسوعة. وما آمله من هذا العمل ان يكون مصدراً غنياً بالمعلومات عن هذا الموضوع، ومرجعاً لكل باحث يتوخى الحقيقة.

وفي هذا المختصر لمحات من التراث التاريخي والثقافي المشترك مما فصّلنا عنه الحديث في الموسوعة بهدف التذكار الهادف الى تمتين أواصر الإخاء بين الأُمَّتين والذي افتقدنا نفحاته في السنوات الأخيرة بسبب الظروف التي مرَّت وتمرُّ بها شعوب المنطقة عموماً وظروف العراق خصوصاً. فالمعرفة والثقافة تُرمِّم وتقرُّب ما لا تستطيع السياسة ان تقوم به من دور.

وفي الأجزاء الأحد عشر الصادرة من الموسوعة، العشرات من الدراسات الرصينة التي تناولت التعايش المشترك بين الكورد والعرب منذ ما يزيد على ألف عام ففي ظل الدول والامارات العربية والكوردية عاش الجميع بوئام وسلام في ظل البيئات السياسية الداعمة للمشتركات الثقافية المشتركة التي تميز بها العرب والكورد والتي استمرت رغم المِحن والغزوات والويلات والاحتلالات التي واجهتها الامتين العريقتين وبما ان الاطناب في ذلك يستدعي الاطالة فسأقتصر على بعض الاشارات المعبرة عن الاضاءات التي بقيت شاهدة على التراث الوطني المشترك العربي الكوردي والذي يعتبر ركيزة وشاهداً على قوة التأثير والحمية والدافع الذي لا يمكن ان تنفصم عراه لو أخذنا بالعبرة المستفادة منه ومن الامثلة على ذلك:

ان العرب والكورد عاشوا معاً في ظل الدول والامارات سواء العربية منها أو الكوردية، وتمتعوا سوية بمعايشة ملؤها الصفاء والمودة تجمعهم الثقافة والدين على صعيد متوازن سواء على عهد الخلافة وبعض – مع بعض الاستثناءات بطبيعة الحال – وكان الجميع يحمي بعضهم البعض لا سيما في ظل الأزمات التي كانت تعصف بهم وتهدد وجودهم، ومن المعلوم أن الكورد احتضنوا خلال القرون الهجرية الأولى قوافل اللاجئين المعارضين من العرب لشعورهم المشترك بالاضطهاد الذي طالهم في فترات الاستبداد والتسلط، وبقي أولئك في كوردستان الى اليوم.

الأمير سيف الدولة الحمداني (ممدوح الشاعر المتنبي) من أُمٍّ كوردية

ومثال آخر يدلُّ على الاخوة العربية الكوردية فمن المعلوم أن الدولة العربية الحمدانية بالموصل وحلب أدركت قوة الكورد فحالفوهم وصاهروهم، حتى أن أمير آذربيجان الكوردي قد أثبت أسماء امراء الحمدانيين في خطب الجمعة، كما سبق لحمدان جدّ الأُسرة الحمدانية المالكة حينذاك أن تزوج امرأة كوردية وحذا حذوه الأمير ناصر الدولة كما كان الأمير سيف الدولة الحمداني (ممدوح الشاعر المتنبي) من أُمٍّ كوردية.

أمراء كورد في العتبات المقدسة العراقية

ومثال آخر من الإمارة الحسنوية أو (الحسنويهية) البرزيكانية الكوردية التي دامت قرن من الزمان (طوال القرن الرابع الهجري) حيث كان امراؤها على علاقة وثيقة وطيبة مع العرب وخاصة على عهد الأمير الفذ بدر بن حسنويه البرزيكاني (369-405هـ/979-1014م) والذي أوصى بدفن جثمانه في النجف الأشرف.

وبالمناسبة فهناك عدة مقابر للأمراء الكورد في العتبات المقدسة العراقية، ومن الشواهد عليها مدافن قبور الامراء الكورد من مهاباد وشواهدهم شاخصة الآن على أحد جنبات صحن الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف الأشرف ومؤرخة بسنة 776هـ وهم الامراء : نجيب الدين أحمد ومحمود بن أحمد المهابادي والاميرة سعيدة.

وفي سامراء ما تزال قبور أُمراء الدنابلة الكورد موجودة بجانب ضريح الامامين العسكريين ومنها مدفن الأمير أحمد خان الدنبلي الكوردي الذي أمر وأنفق على تشييد العمارة الثانية عشرة لضريحي سامراء المقدَّسين.

الاتحاد القبلي بين قبيلة بني أسد العربية وقبيلة الجاف الكوردية

سكنت قبيلة جاوان بالحلة في أواخر القرن الخامس من الهجرة وانتشرت إلى نحو واسط والبطائح وبرغم اعتناقهم للمذهب الشافعي فقد أجابوا الدعوة الفاطمية وخطبوا للمستنصر بالله الفاطمي في إماراتهم وتركوا الخطبة للعباسيين وكذلك فعل بنو مزيد الأسديون (حلفائهم) ولهذا أرسل الخليفة الفاطمي المذكور من مصر بخلعه لكل من الأمير نور الدولة دبيس بن مزيد الأسدي، والأمير أبي الفتح بن ورَّام الكوردي الجاواني وتحالف الأميران الكوردي والشيعي فحاربا معاً ضد السلاجقة وتوثقت الأواصر بينهما ووحدت بين مستقبلها وبعثتهما على التساكن والتألف المستديم ولهذا نرى الجاونيين وبني أسد يثوبون معاً إلى طاعة طغرلبك سنة.

وحين آلت إمارة بني جاوان إلى الأمير ورَّام بن أبي فراس انتقل الجاوانيون وأكثرهم إلى أرض الجامعيين قرب بابل ليؤسسوا الحلة مع أمير بني أسد صدقة بن منصور بن دبيس المزيدي وليسكنوها في الحلة المعروفة بعد ذلك بمحلة الأكراد، يقول الدكتور مصطفى جواد (وإذ كان الجاوانيون قد قرنوا مستقبلهم بمستقبل بني أسد وهم من الشيعة لم يكن لهم بدّ من التأثر بمذهب ذوي الأكثرية وإن كانوا من الشافعية).

وليس من الصواب في شيء أن يحكم المؤرخ في مذهب رجل اعتماداً على أيام صباه وفي ذلك إشارة إلى تأثر الجاوانيين بمذهب التشييع، فقد وُجد بخط الأمير الكوردي فخر الدين أبي محمد عنتر بن أبي العسكر الجاواني دعوات قد استفادها من الأُدباء وكتبها في مجموعة ومن ذلك:

بختَّام الرسالات
هداني من بني هاشم

بمن صامَ بمن صلَّى
بمن صدَّق بالخاتم

بحقِ البضعة الزهرا
ء حواء النسا فاطم

وبالمسمومِ والمقتو
لِ ظلماً لعن الظالم

وبالسجاد وبالبا
قر والصادق والكاظم

وبالمدفون في طوسٍ
علي ولد العالم

بحق العسكريين
وبالمنتظر القائم

ولما أصبحت الحلة إقطاعاً للأمير مهلهل بن أبي العسكر الجاواني رأس الجاوانيون في الحلة على بني أسد، حتى أن الأمير هندي الجاواني خامر على الخليفة المقتفي، وهذا الأمير هو الذي مدحه ابن المعلم الهرتي بقوله من قصيدة مطلعها:

تنبهي يا عذبات الرند
كم ذا الكرى؟ هب نسيم نجد؟

أما شهرة الجاوانيين في العلم والتأليف فقد تمثّلت في أبي الحسين بن أبي فراس عيسى بن ابي النجم، صاحب كتاب (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر) المطبوع مراراً في العراق وإيران ويُعرف الكتاب أيضاً بمجموعة ورام، وكان هذا من الزهاد المتعبدين المعظمين في أعين الناس يعتقدون في البركة، وقد توفي يوم الجمعة الثاني من محرم سنة 605هـ وحُمل جثمانه الى الكوفة فدفن بمشهد علي عليه السلام، وهو خال السادة الطاووسيين الحلّيين كرضي الدين وغيره من مشاهير علماء الشيعة في عصرهم وذكره منتخب الدين علي بن عبيد الله بن بابويه ضمن مؤلفي الشيعة في كتابه (الفهرست) وورد ذكر ألقابه في عدد من الكتب بعبارات: (الأشتري الحلي الشيعي) ووزاد أحد المتأخرين بأنه من نسل مالك الأشتر صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يرى الدكتور مصطفى جواد صواب من هذا الرأي ويُشير بهذا الصدد على أن كثيراً من الكورد قد ارتفعوا بأنسابهم على من يودون الاتصال به من أشراف العرب وأعيانهم، فمنهم من انتسب إلى عثمان بن عفان، أو إلى خالد بن الوليد، أو إلى العباسيين والأمويين وغيرهم.

وقد انقطعت أخبار إمارة بني جاوان بانقطاع الخلافة العباسية ويظهر أنهم استعربوا استعراباً تاماً، واندمجوا في عرب الفرات الأوسط، ولكن محلتهم بقيت بالحلة منسوبة إلى الكورد حتى اليوم وفي قبائل الفرات حالياً عشيرة محترمة تسمى بالكورد وقد تكون أصولها ترجع إليهم أو الى مصاهرتهم أو مجاورتهم أو وربما الى سواهم من الكورد الذين سكنوا الجنوب العراقي. وما تزال بعض العشائر في النجف وجنوب العراق تفتخر برجوع نسبها للجاوانيين وبالذات الى الشيخ أبي فراس (ابن ورَّام الجاواني)، وهم يتبنون انحدار نسبه الى القائد الأشتر النخعي بحسب ما رأيتُ بعض مشجرات أنسابهم .

قبيلة الدنابلة الكوردية

وهناك قبائل كوردية شيعية لعبت دوراً كبيراً في التاريخ كقبيلة الدنابلة الكورد الذين ظهروا في الموصل واربيل وكركوك وامتد تأثيرهم السياسي إلى جبال كوهستان وأذربيجان والشام، وقام أحدهم وهو الأمير يحيى ببناء ألف ومائتي تكية على الطريقة البكتاشية (راجع عن الطريقة البكتاشية، موسوعة الموسم، المجلد 60 سنة 2007م، ص 130، وبحثنا “البكتاشية ــ لمحات من تأريخها وأهم تكاياها في العراق” ص 280 وما بعدها، موسوعة الموسم الهولندية سنة 2009م.) وممن عاصر منهم الدولة الصوفية فقد حالفوها وناصروها لاتحادهم في الطريقة ومساواتهم في المذهب ووردت أسماء جملة من محدثيهم في رواة الأئمة الاثني عشر منهم محمد بن وهبان الدنبلي وللأمير أحمد خان الدنبلي الكوردي المعاصر لنادر شاه آثار باقية في تعميره لمشهد العسكريين في سامراء ولهم مقبرة معروفة هناك، والدنابلة هم الذين عمَّروا بلدة خوي في أذربيجان عدة مرات، وكانت سلطنتهم في بلاد كوردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى حين ظهور السلطان حيدر الصفوي حيث انضوى تحت لوائه الدنابلة بشخص عميدهم الأمير لبهلول الدنبلي.

والمروي في كتاب أحد ملوكهم المسمى الملك طاهر بن الأمير عيسى الدنبلي الكوردي المتوفى سنة 387هـ أنه عند ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يكون في جملة أنصاره أفراد من الكورد الدنابلة.

ومن الأفخاذ العشائرية التابعة لهم: دنبلي يحيى وشمسكي أولاد شمس الملك، وعيسى بكلو، وقبيلة بكزاد كان من نسل أمير فريدون، وقبيلة أيوب خاني وقد تفرقت هذه الأفخاذ في كاشان وخراسان، وخبوشان، وشيروان، وكنجة وقوة باغ وقراحة داغ، ولهم ذكر في كتاب حديقة الجنة لعبد الرزاق بن نجف علي الدنبلي وكتاب (تذكره هفت إقليم) لابن أحمد الرازي.

ومنهم الأمير سليمان بن أحمد المتوفي 410هـ والمدفون في سُرْخ أباد وكان الشيخ رجب البرسي صاحب كتاب مشارق الأنوار أحد خواصه وألَّف له مجموعة من الكتب ومنهم الأمير عيسى صلاح الدين كرد بن أمير يحيى الذي نقل مائة ألف بيت من ايزدية كردستان إلى أذربيجان وكوهستان ليستقوي بهم فيما يظهر، ومنهم الأمير جمشيد المقتول سنة 725هـ الذي تمنَّع في جبل هكاري ضد جنكيز خان.

قبيلة الزند

ومن القبائل الكوردية الشيعية: الزند، وقد حكم زعيمها كريم خان المتوفى سنة 1193هـ /1779م ثمانية وعشرين سنة وتوالت أسرته على حكم إيران من بعده فحكم: زكي خان، وأبي الفتح خان، وصادق خان، وعلي مراد خان، وجعفر خان، ولطف علي خان، وكان آخر أمراء السلالة الزندية حيث قتل سنة 1794م وقامت بعده السلالة القاجارية وتشتت الكورد بعدهم لاسيما عشائر الزند وفي كتاب مختصر تاريخ الكورد وكوردستان للمرحوم محمد أمين زكي بعض التفصيلات لأحوالهم.

من أعلام الكورد

وفي فترات تاريخية مختلفة أنجب الكورد الشيعة العديد من الأعلام الكبار يأتي في مقدمتهم العلامة الكبير الشيخ بهاء الدين أبو الحسن بن عيسى فخر الدين أبي الفتح الإربلي الذي كان رئيس ديوان الإنشاء على عهد علاء الدين صاحب الديوان بعد استيلاء هولاكو على بغداد وتوفي سنة 693هـ وله كتب كثيرة متداولة ومن أشهرها كتابة النفيس (كشف الغمة في معرفة الأئمة) وكتابه الآخر (طيف الإنشاء) الذي حققته وصدر في بيروت عام 1985 وجمعت في مقدمته التي ما وقع بيدي من أشعار وجُلّها في مدح ورثاء آل البيت الكرام ومن ذلك قوله:

ما عسى أن أقول في مدح قومٍ
قدَّس الله ذكرهم تقديسا

هم هداة الورى وهم أكرم
الناس أصولاً شريفة ونفوساً

إن عرت أزمة تندُّوا غيوثاً
أو دَجت شبة تبدُّوا شموساً

ملأوا بالولاء قلبي رجاء
وبمدحي لهم ملئت الطروسا

ومنهم أيضاً ابو عبد الرحمن مبارك بن الحسن بن مبارك بن ورود، وهو من أهل إربل، كان شاعراً، عمل في التجارة وسمع الحديث ببغداد وسمع بمصر ودمشق والبصرة وغيرها وتوفي في البصرة سنة 624هـ قال شرف الدين أبي البركات المبارك بن أحمد اللخمي الإربلي في كتابه نباهة البلد الخامل بما ورده من الأماثل ص 316 (انشدني ولده عبد الرحمن قال أنشدني أبي لنفسه:

يا ذا المعارج إن قصَّرت في عملي
وغرَّني في زماني كثرة الملل

فشافعي أحمد وابناه وابنته
إليك، ثم أمير المؤمنين علي

الصفويون

وهناك من يقول بأن الأسرة الصفوية نفسها كانت كوردية واستتركت فيما بعد وأعلنت عن علويتها.

القرداحة: أرض الكورد

وسمعت أيام سياحتي في تركيا بأن أصول بعض قبائل الرشاونة التي بنسبها إلى قبيلة رشو الكوردية وإن القرداحة مسقط الرئيس حافظ الأسد محرفة عن كرداخ أي أرض الكورد، وإن التعبير الشائع بين القوم (قردولو) وهي عبارة تحبب ينطقها الشخص حين ينادي أحد رفاقه، أصلها كردولو أي (أيها الكردي) قال محدّثي: إن هناك تشابهاً بين ملامح بعض العلويين السوريين وبين كورد من منطقة ديرسم! وهذا مجرد سماع لم أتثبت منه..

الكورد الفيلية

وأما الكورد الفيلية بولائهم لآل البيت النبوي الشريف، ولأجل ذلك اضطُهدوا أشد الاضطهاد من أجل كورديتهم وتشيُّعهم معاً، ويقطن هذا الشعب الطيب النبيل منذ فجر التاريخ في السفوح الشرقية والغربية من سلسلة جبال حمرين الممتدة من مناطق الأهوار جنوباً إلى محور خانقين وقصر شيرين شمالاً وهم من بناة حضارة البلاد منذ أقدم العصور ومن أهم الأمكنة التي توزَّعوا فيها اليوم هي بغداد وخانقين وبدرة وجصان وزرباطية، علي الشرقي، علي الغربي، الكوفة العمارة، الحلة، البصرة، مندلي، بعقوبة، جلولاء، السعدية، شهربان، النعمانية، كوت الحي وغيرها. ومنهم الأمير غلام رضا خان والي إمارة بشتكوه الذي كان ضمن المرشحين لتولي عرش العراق مع فيصل الأول. وهو حفيد الوالي حسين قلي خان الفيلي، وفي العراق برز منهم عدد كبير من العلماء والأدباء والفنانين ومن سائر ذوي المهن المختلفة، وهم ينتمون إلى عشائر عديدة تتمسك بأصالتها وشرفها الباذخ ومن تلك العشائر: ((باوه ي جاوري، ماليمان، هينة ميني، زوري، كلاوي، شوان، ملك شاهي، أركوازي، قيتول، علي سروان، زركوش كنجي، ريزه وه ن، كه لهو ما مند، قياس وه ن، سه كه وه ن، حسن كاباري، لارتي)) وغيرها.

وقد تركَّزَ ظلم واضطهاد هذه الشريحة الوطنية الأصيلة من قبل السلطات المتعاقبة في العراق فتعرَّضت للتمييز العرقي والطائفي، وفي عام 1980 شنَّت السلطة الغاشمة حملة شرسة لاعتقال المواطنين العراقيين من أبناء قومية الكورد العراقيين الفيليين وقامت بتسفير أكثر من نصف مليون كوردي عراقي فيلي واستولت على أموالهم وممتلكاتهم، وبالإضافة إلى من بقي منهم داخل الوطن وهجرة الآلاف منهم في الدول المجاورة، وفي المهاجر الأمريكية والأوروبية ولهم صيتهم الذائع في كل مجالات العلوم والآداب والفنون.

كورد خانقين

ومن غير الفيلية هناك عدد من الكورد الشيعة ضمن قبائل: الجاف، والباجلان، وكلهر، وكركا، والخزل، والأركوازي، ومنهم الأعداد الغفيرة بمدينة خانقين الذين تعايشوا وتآخوا مع إخوانهم الكورد السنة بشكل ملفت للنظر، يقول الباحث الكوردي شيراز طالباني أن (خانقين مدينة كوردية مكونة من أكراد سنة وأكراد شيعة تعايشوا معاً لدهور طويلة بحيث ما كان أحدنا يشعر بالفارق المذهبي أبداً فكنَّا نساهم مع الشيعة بكل الفعاليات في محرم ويساهمون معنا بكل أفراحنا وأتراحنا وعن التمييز العنصري الذي لاقاه أبناء هذه المدينة).

يضيف أيضاً: (في هذه المدينة يقوم على أمور الإدارة الرسمية من قل الدولة العراقية أفراد من خارج خانقين، فالمواطن الخانقيني مرفوض من الحكومة المركزية شيعياً كان أم سنياً لأنه كوردي.. وهجر الشيعي بحجة التبيعة وهجر الكوردي السني بحجة معاداة السلطة حتى أصبح الكورد السنة والشيعة أقلية بهذه المدينة).

وكانت مدينة خانقين تحظى برعاية المرجعية العليا في النجف ومن أوائل العلماء المجتهدين الذين قاموا بمهمات الإرشاد والتبليغ فيها هو السيد إبراهيم بن السيد محمد آل شبر، وقد سكنها برغبة وتوجيه من مرجع عصره السيد أبو الحسن الأصفهاني.

وباختصار شديد ان الآلاف من الصفحات المدونة في الموسوعة تؤكد بشكلٍ لا لبس فيه أن علاقات الكورد بالعرب علاقات تأريخية متينة ومتظافرة، ومن الضروري البِناء عليها وتحفيز الوعي بإدراكها لتبقى مؤثرة في النسيج الوطني العربي الكوردي، ومن بيّناتها في تاريخنا القريب ما شهدناه من العلاقة الوثيقة التي ربطت بين المرجعية الدينية في النجف الأشرف وبين فعاليات النضال في كوردستان العراق، على عهد الامام السيد محسن الحكيم والقائد الملا مصطفى البارزاني وتشهد على ذلك الرسائل المتبادلة بين الزعيمين خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، والتي نشرنا صورها في المجلد الأول من موسوعتنا (مواسم كردستان) المذكورة، مع البحث في حيثيَّاتها ونتائجها.

ومما عنيت به الموسوعة، دراسة أحوال الأقليات الدينية الكوردية المعاصرة على اختلاف نِحَلِها ومِلَلِها، كما وثَّقت أحوال عدد من العشائر الكوردية، وركزت على دراسة أحوال الكورد الفيلية وأظهرت تاريخهم وترجمتُ لأعلامهم ووثَّقت كفاحهم الوطني.

وأخيراً نتمنى أن يُعاد الاعتبار للميزة العلمية التي تميَّز بها الشعب الكوردي في مضمار الكفاءة اللغوية حيث لعبوا دور الوسيط بين الثقافات الشرقية في بلاد العرب وبلاد فارس وهندوستان وتركيا، وعدد من دول جنوب شرق آسيا، بالإضافة الى تصدّرهم معاهد التدريس الديني وقيادة الحركات الصوفية العالمية، وحسبنا أن نشير هنا الى مولانا خالد، وإبراهيم الكوراني مفتي إسطنبول، وجعفر البرزنجي وغيرهم الكثير من العلماء والفقهاء والادباء ورجال القلم ممن يجب إحياء ذكرهم ونشر معارفهم وكتبهم، جنباً الى جنب مع اعتماد حلولٍ مدروسة لتعليم العربية والكوردية للشعبين المتآخيين، وتفعيل دور وواجب المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية لتسهيل هذه المهام التي من شأنها توطيد العيش المشترك والتعارف البنَّاء لأبناء الوطن.

أختمُ بأبيات نظمتها بمناسبة قراءتي لكتاب (الكافي في العروض والقوافي) للعلامة والأديب الكوردي البارع الشيخ عبدالله البيتوشي الآلاني الكوردي المتوفى سنة 1211هـ الذي أنهى منظومته ببيت يقول فيه معتذراً للعرب وبتواضعه المعهود إذ يقول:

وإن تجد فيهِ خلافَ أدبِي فالطّبعُ کُرديٌّ وهذا عَرَبي

فقلتُ من وحي الخاطر وعلى البديهة مجارياً له:

مودَّتي يا أُمَّة الكُرد رتَّلْت فيكم سورة الحمد
هامتْ بـ(كردستان) روحي فَذِي إضمامةٌ من يانعِ الورْدِ
ما هيَ الَّا ذرةٌ طوَّفت في عمقِ تاريخ من المجدِ
واستكملت أجزاؤها ها هنا وليس هذا كلّ ما عندي
لكنه جهد المُقِلِّ الذي يُقلّب الآثار بالنَّقدِ
وينتقي مما تراءى له تحقيقها في غاية الجدِّ
فإن تجد فيها قصوراً فَذَا ذنبي فقد كتبتها وحدي
حسبي (فتى بيتوش) في قوله (من عَرَبي طبعه كردي)

—————————————————————————
د. محمد سعيد الطريحي: رئيس أكاديمية الكوفة

شاهد قبور في بوابة صحن الامام علي (عليه السلام) مؤرخ في شهر صفر 776هـ تشير إلى أسرة ملكية شيعية من الكورد مدفونة في الغري وهي عبارة عن قبور ثلاثة من القرن الثامن الهجري أصحابها الأمير نجيب الدين أحمد ومحمود بن أحمد المهابادي، وقبر الأميرة سعيدة زوجة الأمير المذكور.

قد يعجبك ايضا