كيف صنعت الإبادات الجماعية الوعي السياسي الكوردي؟

الباحثة السياسية جيهان علو

لم تقتل الإبادات الجماعية الكورد وحدهم، بل أعادت تشكيل الطريقة التي يفكرون بها. لم تستهدف الإنسان الكوردي بوصفه فردًا، بل استهدفت ذاكرته، ولغته، وعلاقته بالمكان، وثقته بالزمن، حتى أصبح التاريخ عند الكورد ليس سردًا للماضي، بل عنصرًا حاضرًا في كل قرار سياسي، وكل موقف اجتماعي، وكل خوفٍ يتوارثه الأبناء دون أن يعيشوا أسبابه. لهذا لا يمكن فهم العقل السياسي الكوردي بعيدًا عن تاريخ الإبادات، كما لا يمكن فهم كثير من الانقسامات والهواجس دون إدراك أن أمةً عاشت قرنًا من محاولات الإلغاء لا تنظر إلى العالم بالطريقة نفسها التي تنظر بها الشعوب التي عاشت في ظل دول مستقرة.
لم تبدأ المأساة مع الأنفال، ولم تنتهِ في شنكال، ولم تكن ديرسم فصلًا منفصلًا عن حلبجة، ولا حملات الإعدام في روجهلات أحداثًا معزولة عن سياسات الإنكار في باكور أو محاولات تغيير الهوية في روجافا. اختلفت الجغرافيا، واختلفت الأنظمة، لكن المنطق كان واحدًا؛ كسر إرادة الكوردي عبر استهداف وجوده المادي والرمزي معًا. كان المطلوب أن ينجو الجسد دون أن تنجو الهوية، وأن تبقى الأرض بلا ذاكرتها، واللغة بلا فضائها، والإنسان بلا يقين بأنه ينتمي إلى وطن اسمه كوردستان.
لهذا لا يحمل الكوردي ذاكرة واحدة، بل ذاكرات متراكبة تتغذى من بعضها بعضًا. أمٌّ فقدت أبناءها في الأنفال ترى في شنكال امتدادًا لجراحها، وناجٍ من ديرسم يجد في صور المقابر الجماعية ما يعرفه قلبه قبل أن تعرفه عيناه. لا لأن المآسي متطابقة، بل لأن الشعور الذي ولدته واحد؛ الشعور بأن الوجود نفسه قد يتحول في أي لحظة إلى هدف فهذه الذاكرة المشتركة هي أكثر ما وحّد الكورد عبر الحدود، لكنها كانت أيضًا أثقل ما حملوه إلى مستقبلهم.
إذ لا تنتهي الإبادة عندما يتوقف القتل، بل تبدأ مرحلة أشد تعقيدًا؛ مرحلة إعادة تشكيل وعي الناجين. هنا يصبح الخوف أكثر هدوءًا وأعمق رسوخًا. يتحول إلى طريقة في التفكير، وإلى ميلٍ دائم لتوقع الأسوأ، وإلى حساسية مفرطة تجاه كل ما يمس الهوية. كثير من المواقف السياسية الكوردية لا يمكن فهمها إذا نُزعت منها هذه الخلفية النفسية. فما يبدو للآخرين مبالغة في الحذر، قد يكون بالنسبة إلى شعب رأى الإبادة مرارًا شكلًا من أشكال الدفاع عن البقاء.
غير أن أخطر ما تفعله الإبادة ليس زرع الخوف من العدو، بل زرع الخوف من تكرار الخطأ. يبدأ المجتمع في مساءلة نفسه بلا رحمة؛ لماذا كنا وحدنا؟ لماذا لم نتفق؟ لماذا وصلنا إلى هذه اللحظة؟ تتحول هذه الأسئلة إلى أرض خصبة للاتهام المتبادل، فتدخل الذاكرة في صراع مع نفسها. عندها يصبح الماضي ساحة خلاف بدل أن يكون مصدرًا للحكمة.
لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى إعادة قراءة الذاكرة الكوردية بوصفها ذاكرة سردية توثيقية جامعة، لا ذاكرة تتنافس فيها الآلام. فلا توجد مأساة أعلى من أخرى، ولا تضحية تلغي أخرى. دماء ديرسم لا تنافس دماء حلبجة، وشنكال لا تلغي روجهلات، وروجافا لا تختصر باشور، وباكور ليس أقل وجعًا لأنه حمل جراحه بصمت في مراحل طويلة. كل جزء من كوردستان حفظ صفحة من الرواية الكبرى، ولا تكتمل الرواية إلا إذا قرأ الكورد صفحاتها كلها معًا.
الإبادات علمت الكورد قيمة المقاومة، لكنها علمتهم أيضًا معنى الوحدة عندما يصبح البقاء مهددًا. المؤلم أن هذا الدرس يبهت أحيانًا بعد انحسار الخطر، فتعود الانقسامات لتحتل المساحة التي كانت تشغلها الضرورة الوطنية. كأن الذاكرة، التي استطاعت أن تجمع الناس في لحظات الألم، تعجز أحيانًا عن جمعهم في لحظات البناء. وهذا أحد أكبر التحديات التي تواجه الوعي السياسي الكوردي اليوم.
إذ لا تحتاج القضية الكوردية إلى ذاكرة أقل، بل إلى ذاكرة أكثر نضجًا. ذاكرة لا تستخدم الماضي لإدانة الحاضر، بل لتصحيحه. و لا تجعل من المأساة هوية دائمة، بل تجعل منها مسؤولية أخلاقية تمنع تكرارها. فالأمم لا تنتصر لأنها تتذكر فقط، بل لأنها تعرف ماذا تفعل بما تتذكره.
التاريخ لا يطالب الكورد بأن ينسوا، ولا يحق لأحد أن يطلب منهم ذلك. لكنه يضع أمامهم سؤالًا أكبر من الذاكرة نفسها: هل ستبقى الإبادات آخر ما يجمعهم، أم تكون أول ما يدفعهم إلى بناء مستقبل لا يصبح فيه أي كوردي، في أي جزء من كوردستان، وحيدًا أمام المأساة؟
فربما يكون أعظم انتصار على كل مشاريع الإبادة ألا يقتصر بقاء الكورد على النجاة، بل أن يتحول هذا البقاء إلى مشروع حضاري وسياسي وثقافي يتجاوز الحدود التي فرضها الآخرون، ويعيد بناء الثقة بين أبناء الأمة الواحدة. فالإبادة حاولت أن تقنع الكوردي بأنه وحيد، بينما تثبت الذاكرة، كلما أُحسن فهمها، أن الألم كان واحدًا، وأن المصير، مهما تفرقت الجغرافيا، لا يزال واحدًا أيضًا.

قد يعجبك ايضا