**حنجرة الطفولة في محراب زاگرس: “بارميس دلفان” زهرة اللُّر واللَّك التي أيقظت التراث**

د. فاضل علي
باحث في شؤون الثقافات واللغات في الشرق الأوسط

في زمنٍ باتت فيه الشاشات الرقمية تضج بصيحات الحداثة المتسارعة والأشكال الموسيقية العابرة، برزت من بين ثنايا قمم جبال زاگرس الشامخة طفلةٌ صغيرة لم تتجاوز ربيعها الغض، لتقلب موازين التلقي على منصات التواصل الاجتماعي.

بارميس دلفان، كما يعرفها الملايين بـ”بارميس كوچولو” (بارميس الصغيرة)، ليست مجرد طفلة موهوبة حققت أرقاماً فلكية من المشاهدات؛ بل هي ظاهرة سوسيولوجية وثقافية فريدة، أعادت صياغة العلاقة الجدلية بين الجيل الجديد وجذوره التاريخية واللغوية.

بصوتها الدافئ والقوي، ونبرتها التي تحمل عبق الجغرافيا والتاريخ، أصبحت بارميس سفيرةً غير رسمية لتراث لغوي غني يجمع بين أصالة لغة “اللَّك” وعراقة لهجات “اللُّر”، لتثبت أن الهويات الثقافية الفرعية في الشرق الأوسط تملك من أدوات البقاء ما يجعلها عصية على الاندثار والنسيان.

**من دلفان إلى قلوب الملايين: نشأةٌ في أحضان الأصالة**

تنحدر بارميس من منطقة دلفان، وهي بقعة جغرافية ساحرة تقع في أحضان الطبيعة البكر لمرتفعات زاگرس، حيث تتداخل وتتلاحم الثقافتان اللُّريّة واللَّكيّة. وفي هذه المنطقة، لا تشكل اللغة مجرد أداة للتواصل اليومي، بل هي وعاء للذاكرة الجمعية وتاريخ ممتد من الآداب الشفهية.

نشأت هذه الطفلة في بيئة عائلية واعية تقدر قيمة الفولكلور؛ فبدلاً من توجيهها نحو الأنماط الفنية الاستهلاكية الشائعة، حرصت عائلتها على غرس بذور الهوية الأدبية والموسيقية في وجدانها منذ نعومة أظفارها.

وتظهر بارميس في مقاطعها المرئية وهي تؤدي المقامات والأبيات الشعرية الصعبة بتمكّن لافت وثقة تضاهي كبار المغنين الشعبيين. هذه الموهبة لم تكن لتكتمل لولا أذنها الموسيقية الحساسة وقدرتها الاستثنائية على التقاط مخارج الحروف الدقيقة للغتين اللُّريّة واللَّكيّة، وهما فرعان لغويان يتميزان بثراء مفرداتهما وتعقيد جرس ألحانهما التراثية.

**الهوية البصرية: “الگُلوَني” والزي الذي يتحدث تاريخاً**

لا تكتمل جاذبية أداء بارميس بدون هويتها البصرية البديعة التي تقدمها للمشاهد؛ فهي تحرص في كل إطلالة لها على ارتداء الزي التراثي كاملاً:

* **”الگُلوَني” (Golvani):** وهو غطاء الرأس التاريخي المزين بنقوش تقليدية دقيقة، ويعد رمزاً ثقافياً مقدساً لدى نساء اللُّر واللَّك يعبر عن الوقار والحشمة والأصالة التاريخية التي تمتد لقرون.
* **الأثواب الملونة المطرزة:** التي تعكس بتداخل ألوانها الزاهية طبيعة فصل الربيع على سفوح جبال زاگرس الخلابة.

إن هذا التمسك الصارم بالمظهر التراثي يرسل رسالة بالغة الأثر للأجيال الشابة؛ مفادها أن مواكبة العصر والنجاح الرقمي لا يتطلبان الانسلاخ من الهوية أو التخلي عن لباس الأجداد، بل إن التميز الحقيقي يكمن في الفخر بهذا الإرث وتقديمه للعالم بأبهى حلة جمالية.

**غناء “الچِلسِرو” و”المور”: كيف تحمل طفلةٌ عبء القرون؟**

تتجاوز قيمة أداء بارميس مجرد الغناء العذب؛ فهي تؤدي ألواناً أدبية وموسيقية غاية في التعقيد والعمق الأنثروبولوجي، ومن أبرزها:

**١. چِلْسِرو (چهل سرود – الأربعون سروداً)**
وهو ديوان شعر شفاهي لكيّ باستاني، يتكون من تك-بيوت (أبيات مفردة) تحمل معاني العشق، الشوق، الحماسة، والفلسفة الوجودية المبسطة. عندما تشدو بارميس بهذه الأبيات، فإنها تعيد صياغة طقس اجتماعي عريق كان يُستخدم تاريخياً للتنبؤ واستطلاع الفال بين عشائر زاگرس الشامخة.

**٢. آوا العزف الصامت “المور” و”الهورة”**
إذا كانت الأغنية تحمل شجناً عميقاً وأداءً ممدوداً بدون آلات موسيقية، فإنها تغوص في مقام “المور” أو “الهورة”، وهي آوا حزينة ملحمية تمتد جذورها التاريخية إلى عهود ما قبل الإسلام في زاگرس، وتتطلب قدرات صوتية هائلة ونفساً طويلاً يصعب حتى على المتمرسين من الكبار أداؤه بضبط ونقاء.

> “عندما تغني بارميس، يشعر المستمع وكأن جبال زاگرس قد خفضت قممها صامتة لتستمع إلى صدى تاريخها يعود حياً على لسان طفلة بريئة.”

**الأبعاد الثقافية لظاهرة بارميس: دراسة وتحليل**

من منظور دراسات اللغات والثقافات في الشرق الأوسط، نجد أن تجربة بارميس دلفان تقدم درساً بليغاً في كيفية استغلال الفضاء الرقمي لحماية التراث غير المادي:

* **صيانة اللغات المهددة:** في الوقت الذي يخشى فيه الباحثون من اندثار اللغات المحلية واللهجات القومية تحت وطأة العولمة الثقافية، تبرز بارميس كحائط صد لغوي يحبب الأطفال في لغتهم الأم.
* **جسر للتواصل بين الشعوب:** بفضل انتشار مقاطعها العابرة للحدود، تتعرف الملايين من غير الناطقين باللُّريّة واللَّكيّة على جماليات هذا الفن وحضارة أهل زاگرس، مما يساهم في تعزيز التثاقف الإيجابي والتسامح بين القوميات.
* **إثبات قوة الهوية المحلية:** إن نجاح بارميس يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المحتوى الأصيل النابع من عمق الأرض يمتلك قوة جذب سحرية تفوق بكثير المحاكاة والتقليد الأعمى للموجات الفنية الغربية.

**خاتمة**

إن تجربة الطفلة اللُّريّة اللَّكيّة بارميس دلفان تعيد إلى الأذهان مقولة المفكرين الكبار بأن “العالمية تبدأ من الإغراق في المحلية”. لم تكن بارميس بحاجة لتقمص شخصية غريبة عنها لتلفت الأنظار، بل غرفت من نبع بيئتها الصافية، فقدمت فناً حقيقياً يقطر عذوبةً كعسل زاگرس الجبلي الأصيل.

ستبقى بارميس صوتاً جميلاً يصدح في الوديان، ويذكرنا دائماً بأن هوية الشعوب وثقافاتها في منطقتنا العربية والشرق أوسطية هي أمانة غالية، سلّمها الأجداد للآباء، وتتلقفها اليوم أيادٍ طفولية بريئة لتسير بها نحو المستقبل بكل فخر واعتزاز.

قد يعجبك ايضا