آريزو جاهاني-أصل.. ترسم ملامح الأمل في مواجهة أخطر أورام الدماغ

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم يكن الحضور الكوردي في مسيرة الحضارة الإنسانية وليد العصر الحديث، بل يمتد بجذوره إلى قرون طويلة، حيث أسهم علماء ومفكرون وأطباء وأدباء كورد في إثراء التراث الإنساني، وشاركوا في بناء صروح المعرفة في مختلف العصور الإسلامية والحديثة. وقد برزت أسماء كوردية لامعة في الطب والفلسفة والفقه واللغة والتاريخ، وأسهمت في نقل العلوم وتطويرها، لتصبح جزءاً من الذاكرة العلمية والثقافية للعالم.
ورغم ما تعرض له الشعب الكوردي عبر تاريخه من حروب وصراعات وتقلبات سياسية، فإن ذلك لم يحل دون استمرار عطائه العلمي والثقافي. فقد أثبتت التجارب أن الشعوب الحية لا تقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بما تقدمه من عقول قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل. ومن هنا، كان العلماء الكورد سفراء حقيقيين لثقافتهم في الجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث العالمية، حيث ارتبط اسمهم بالتميز والإبداع والابتكار.
وفي العقود الأخيرة، شهد العالم بروز جيل جديد من الباحثين الكورد الذين استطاعوا أن يحتلوا مواقع متقدمة في الجامعات والمؤسسات العلمية المرموقة، مقدمين إسهامات رائدة في مجالات الطب والهندسة والفيزياء والعلوم الحيوية والتقنيات الحديثة. ولم تعد هذه الإنجازات تمثل نجاحاً فردياً فحسب، بل أصبحت شاهداً على قدرة الإنسان الكوردي على المنافسة في ميادين البحث العلمي، حين تتوافر له بيئة أكاديمية حاضنة للإبداع.
ومن بين هذه الأسماء اللامعة، تبرز العالمة الكوردية الدكتورة آريزو جاهاني-أصل، التي كرست جهودها لفهم أحد أكثر الأمراض استعصاءً على الطب الحديث، وهو (الورم الأرومي الدبقي)، واضعةً خبرتها العلمية في خدمة الإنسانية. لقد استطاعت، من خلال أبحاثها الرصينة ومنجزها الأكاديمي، أن تجعل اسمها حاضراً في أبرز المجلات العلمية العالمية، وأن تقدم نموذجاً مشرفاً للعالم الكوردي الذي يوظف العلم من أجل إنقاذ الحياة وتوسيع آفاق المعرفة الإنسانية.
إن قصة نجاح الدكتورة آريزو جاهاني-أصل ليست مجرد مسيرة أكاديمية متميزة، بل هي نموذج للإصرار والعلم والبحث المتواصل. انطلقت رحلتها العلمية نحو كندا، حيث واصلت دراستها الجامعية في أرقى المؤسسات الأكاديمية، فنالت شهادة البكالوريوس في جامعة تورنتو، ثم الماجستير والدكتوراه من جامعة أوتاوا، قبل أن تتوج مسيرتها العلمية بزمالة ما بعد الدكتوراه في كلية الطب بجامعة هارفارد، إحدى أعرق الجامعات العالمية في مجال البحث العلمي.
هذا المسار العلمي يعكس قدرة الباحثة على المنافسة في بيئات علمية عالية المستوى، حيث لم يكن الوصول إلى هذه المؤسسات هدفاً بحد ذاته، وإنما كان بداية لمشروع بحثي طموح يسعى إلى فهم واحد من أخطر الأمراض التي تواجه الإنسان، وهو الورم الأرومي الدبقي (Glioblastoma)، الذي يعد من أكثر أنواع سرطان الدماغ شراسة، نظراً لسرعة انتشاره وصعوبة علاجه ومحدودية الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى.

وتشغل الدكتورة آريزو جاهاني-أصل اليوم منصب أستاذة مشاركة في جامعة أوتاوا، وتقود فريقاً بحثياً متخصصاً يعمل على دراسة الآليات الجزيئية التي تساعد هذا الورم على النمو والانتشار ومقاومة العلاجات التقليدية. وقد استطاع فريقها أن يحقق تقدماً علمياً مهماً في هذا المجال من خلال دراسة مستقبل OSMR، الذي أظهرت أبحاثها أنه يمثل هدفاً علاجياً واعداً يمكن أن يسهم مستقبلاً في تطوير استراتيجيات علاجية أكثر فاعلية للحد من تطور هذا الورم الخبيث.
وتكتسب هذه النتائج أهمية استثنائية، لأن الورم الأرومي الدبقي ما يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام الطب الحديث، إذ إن متوسط بقاء المرضى على قيد الحياة بعد التشخيص ما يزال محدوداً رغم التطورات الطبية الكبيرة. ولذلك فإن أي اكتشاف يفتح نافذة جديدة لفهم طبيعة هذا الورم أو إيجاد وسائل أكثر كفاءة لعلاجه يمثل إنجازاً علمياً يخدم البشرية بأسرها.
ولم تأتِ المكانة العلمية للدكتورة آريزو جاهاني-أصل من فراغ، فقد نشرت نتائج أبحاثها في أرفع المجلات العلمية المحكمة، مثل Nature Neuroscience وNature Communications وCell Reports، وهي مجلات لا تنشر إلا الدراسات التي تمثل إضافة حقيقية إلى المعرفة العلمية، بعد مراجعات دقيقة يقوم بها كبار الخبراء والباحثين حول العالم. وهذا يؤكد أن ما تقدمه ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل مساهمة أصيلة في تطوير علوم الأعصاب والأورام العصبية.
إن نجاح العلماء من أبناء الشعوب التي عانت من الحروب والصراعات والهجرة يحمل دلالة إنسانية عميقة، فهو يثبت أن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان، وأن العقل المبدع قادر على تجاوز كل الصعوبات متى ما توفرت له بيئة علمية مناسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن تجربة الدكتورة آريزو جاهاني-أصل تمثل مصدر إلهام للأجيال الجديدة من الباحثين والطلبة الكورد والعراقيين، وتؤكد أن الوصول إلى العالمية لا تحده الجغرافيا ولا الظروف، بل تصنعه الإرادة والعلم والعمل الدؤوب.
كما تبرز هذه التجربة أهمية دعم البحث العلمي في بلداننا، إذ إن المجتمعات التي ترغب في بناء مستقبلها لا بد أن تجعل من الجامعات ومراكز البحث العلمي ركائز أساسية للتنمية. فالعلم هو الذي يواجه الأمراض، ويطور الاقتصاد، ويصنع التكنولوجيا، ويحفظ كرامة الأمم، بينما يؤدي إهمال البحث العلمي إلى اتساع الفجوة الحضارية مع العالم المتقدم.
لقد أثبتت الدكتورة آريزو جاهاني-أصل أن العالم الكوردي والعراقي قادر على أن يكون شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة الإنسانية، وأن الإنجازات العلمية لا تعرف الانتماءات الضيقة، بل تنتمي إلى الإنسانية جمعاء. ولذلك فإن الاحتفاء بمثل هذه الشخصيات ليس مجرد تكريم لأفراد، بل هو احتفاء بقيمة العلم نفسها، وبالرسالة النبيلة التي يحملها الباحثون في سبيل تخفيف معاناة الإنسان.
وفي زمن تتسارع فيه الاكتشافات الطبية، تبقى الجهود التي تبذلها الدكتورة آريزو جاهاني-أصل وفريقها البحثي أملاً جديداً لآلاف المرضى وعائلاتهم حول العالم، وربما تكون الخطوات التي تقودها اليوم بداية لاكتشافات أكبر تغير مستقبل علاج أخطر أورام الدماغ، وتؤكد مرة أخرى أن المعرفة هي الطريق الأقصر لخدمة الإنسان وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً.

قد يعجبك ايضا