العمامة والأفندي… قراءة في تاريخ العراق من بوابة المجتمع الشيعي

نبيل عبد الأمير الربيعي

يعد كتاب (العمامة والأفندي
سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني) للمفكر العراقي الراحل فالح عبد الجبار واحداً من أهم الكتب التي تناولت المجتمع العراقي الحديث، ليس لأنه يتناول تاريخ الشيعة في العراق فحسب، بل لأنه يقدم قراءة سوسيولوجية وتاريخية عميقة لمسار تشكل الدولة والمجتمع والعلاقات الاجتماعية والسياسية في العراق. الكتاب خلاصة مكتبة كاملة عربية وانكليزية في موضوعها، وقارئ الكتاب قلما يمر بعبارة بدون سند واضح، الموسوعة هي في الوقت ذاته تاريخ وتحليل اجتماعي وسياسي واقتصادي، النهوض الشيعي في العراق.
فالكتاب صدر عن دار الجمل ترجمة أمجد حسين عام 2010. لا يكتفي بتسجيل الأحداث أو إعادة رواية الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك البنى التي صنعت تلك الوقائع، وربطها بالاقتصاد والسياسة والقبيلة والدين والتحولات الاجتماعية، ليصبح بذلك مشروعا فكريا متكاملا أكثر منه كتابا في التاريخ التقليدي.

لقد امتلك فالح عبد الجبار قدرة استثنائية على الجمع بين المؤرخ وعالم الاجتماع والباحث السياسي، فجاء هذا العمل ثمرة سنوات طويلة من البحث في المصادر العربية والإنجليزية، والاستفادة من الوثائق والدراسات الحديثة، مما منح الكتاب قوة علمية كبيرة وجعل كل فكرة تقريبًا تستند إلى إحالات دقيقة وشواهد موثقة. ولذلك يشعر القارئ منذ الصفحات الأولى أنه أمام عمل رصين لا يقوم على الانطباعات أو الأحكام المسبقة، وإنما على منهج علمي صارم يوازن بين الوقائع والتحليل.
تكمن القيمة الأساسية للكتاب في أنه يرفض تفسير التاريخ بمنطق العامل الواحد. فالنهضة الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع الشيعي في العراق خلال القرن التاسع عشر، كما يبين المؤلف، لم تكن نتاج العامل الديني وحده، ولا ثمرة صراع مذهبي مجرد، وإنما كانت حصيلة تفاعل معقد بين التحولات الاقتصادية، وتوسع الزراعة، ونشوء المدن، وتحولات القبائل، وتطور المرجعية الدينية، وضعف السلطة العثمانية أحيانًا وقوتها أحيانًا أخرى، فضلًا عن التأثيرات الإقليمية والدولية.
ومن هنا ينتقل الكتاب من التاريخ السياسي إلى التاريخ الاجتماعي، ليجعل الإنسان العراقي محور الدراسة. فالقبيلة، والمدينة، والحوزة العلمية، والسوق، والريف، والهجرة، جميعها عناصر تتشابك لتفسير التحولات الكبرى التي عرفها العراق. ويؤكد المؤلف أن المجتمع العراقي لم يكن مجتمعًا ساكنًا، بل كان دائم الحركة، تتغير داخله موازين القوى باستمرار، وتتشكل فيه هويات جديدة بفعل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
ويمنح فالح عبد الجبار مساحة واسعة لدراسة العلاقة بين المؤسسة الدينية والطبقات الاجتماعية المختلفة، فيوضح كيف تطورت المرجعية الشيعية عبر الزمن، وكيف تحولت من مؤسسة ذات دور ديني محدود إلى مؤسسة ذات تأثير اجتماعي وسياسي واسع، دون أن يغفل التباينات الداخلية أو الاختلافات بين المرجعيات والمدارس الفقهية. وهو في ذلك يبتعد عن التقديس كما يبتعد عن الإدانة، ويقدم قراءة تحليلية تعتمد الوقائع أكثر من اعتمادها على المواقف المسبقة.
كما يناقش الكتاب نشوء طبقة الأفندية، أي النخبة الحديثة التي تلقت تعليمها في المدارس المدنية، ودخولها في منافسة أو تفاعل مع رجال الدين التقليديين. ومن هنا جاءت رمزية عنوان الكتاب؛ فالعمامة تمثل المؤسسة الدينية، بينما يمثل الأفندي الدولة الحديثة والنخبة المدنية. لكن العلاقة بين الطرفين لم تكن علاقة صراع دائم كما قد يتصور البعض، بل كانت في أحيان كثيرة علاقة تداخل وتعاون، وفي أحيان أخرى علاقة تنافس على قيادة المجتمع، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الثنائيات المبسطة ليكشف عن تعقيد الواقع العراقي.
ولا يقتصر الكتاب على دراسة القرن التاسع عشر وبدايات الدولة العراقية الحديثة، بل يمتد إلى تحليل تطورات القرن العشرين، وما شهدته البلاد من انقلابات سياسية، وصعود الأحزاب الأيديولوجية، وتوسع أجهزة الدولة، وتراجع المجتمع المدني، وصولًا إلى مرحلة الدكتاتورية في عهد صدام حسين. وفي هذه المرحلة يقدم المؤلف قراءة متوازنة للصدام بين السلطة والمجتمع الشيعي، مؤكدًا أن هذا الصراع لا يمكن اختزاله في بعد طائفي أو سياسي منفرد، بل هو نتاج تاريخ طويل من علاقة الدولة المركزية بالقوى الاجتماعية المختلفة، وسياسات الإقصاء والاستبداد التي طالت شرائح عراقية متعددة.
ومن أبرز مزايا الكتاب أنه لا يعامل تاريخ الشيعة العراقيين بوصفه تاريخ جماعة معزولة عن بقية مكونات العراق، وإنما يقدمه باعتباره جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الوطني. فكل تحول اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أصاب المجتمع الشيعي كان ينعكس على العراق كله، كما أن الأزمات التي عاشها العراق كانت تمس جميع مكوناته بدرجات متفاوتة. ولهذا تتحول الدراما الشيعية في الكتاب إلى جزء من الدراما العراقية الكبرى، ويتحول تاريخ جماعة إلى نافذة لفهم تاريخ وطن كامل.
ويبرز في صفحات الكتاب اهتمام المؤلف بالبنية الاقتصادية بوصفها عنصرًا أساسياً في تفسير الظواهر الاجتماعية. فهو يربط بين ملكية الأرض، ونشوء الإقطاع، وتوسع الزراعة، والهجرة من الريف إلى المدن، وبين تغير العلاقات الاجتماعية والدينية والسياسية. ومن خلال هذا الربط يقدم نموذجًا في القراءة التاريخية يبتعد عن السرد التقليدي، ويقترب من منهج التاريخ الاجتماعي الذي يفسر الأحداث من خلال حركة المجتمع لا من خلال إرادة الأفراد وحدها.
أما على المستوى المنهجي، فإن فالح عبد الجبار يقدم درساً مهماً في البحث العلمي. فهو لا يكتفي بعرض الروايات، وإنما يناقشها ويقارن بينها، ويختبر صدقيتها، ويوازن بين المصادر المختلفة، مستفيداً من المناهج الحديثة في علم الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا. ولذلك لا يشعر القارئ بأنه أمام كتاب يدافع عن فكرة جاهزة، بل أمام دراسة تبحث عن الحقيقة من خلال الأدلة والوثائق.
ورغم الطابع الأكاديمي الصارم، فإن لغة الكتاب تمتاز بالوضوح والرشاقة، بعيدًا عن التعقيد المصطنع. فالكاتب يمتلك قدرة نادرة على تبسيط الأفكار العميقة دون الإخلال بدقتها العلمية، كما تتجلى في أسلوبه حساسية إنسانية واضحة، وإيمان بأن فهم الماضي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لفهم أزمات الحاضر واستشراف المستقبل.
لقد نجح فالح عبد الجبار في أن يجعل من (العمامة والأفندي) مرجعاً أساسياً لكل باحث في التاريخ العراقي الحديث، لأنه تجاوز القراءة الطائفية الضيقة، وقدم العراق بوصفه مجتمعًا متنوعًا تتفاعل داخله عوامل الدين والاقتصاد والسياسة والثقافة والقبيلة في صناعة الأحداث. ولهذا ظل الكتاب حاضراً في النقاشات الأكاديمية والفكرية بوصفه واحداً من أهم الدراسات التي تناولت المجتمع العراقي بمنهج علمي رصين.
إن قراءة هذا الكتاب اليوم تكتسب أهمية مضاعفة، في ظل استمرار الجدل حول الهوية الوطنية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، والدين والسياسة. فهو يذكرنا بأن فهم العراق لا يمكن أن يتم عبر الشعارات أو الأحكام المسبقة، وإنما من خلال دراسة تاريخه الاجتماعي بكل تعقيداته، والاعتراف بأن التنوع الذي ميّز المجتمع العراقي كان دائمًا مصدراً للحيوية، كما كان في أحيان أخرى سبباً للصراعات عندما فشلت الدولة في إدارة هذا التنوع.
ومن هنا يمكن القول إن (العمامة والأفندي) ليس مجرد كتاب عن الشيعة، ولا دراسة عن المؤسسة الدينية وحدها، بل هو موسوعة فكرية لفهم العراق الحديث، وتحليل بنيته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واستيعاب التحولات التي صنعت واقعه المعاصر. وسيظل هذا العمل علامة بارزة في المكتبة العراقية والعربية، لأنه يجمع بين الدقة العلمية، والعمق التحليلي، والنزعة الإنسانية، والالتزام بقيم البحث الرصين، وهو ما يجعل قراءته ضرورة لكل من يريد أن يفهم العراق بعيدًا عن الانحيازات الأيديولوجية والرؤى الاختزالية.

قد يعجبك ايضا