نجوم كُردستان

آناهيتا حمو. باريس

أنا ونجوم كُردستان اللامعة،
الكتاب الموسوعة الكُردية،
صدور كتاب باللغة الكُردية… خطوة جديدة في توثيق الذاكرة الثقافية الكردية
يشكّل صدور أي كتاب جديد باللغة الكردية حدثًا ثقافيا يستحق الاحتفاء، لأنه يضيف لبنة جديدة إلى صرح الثقافة الكُردية، ويسهم في حفظ الذاكرة الجماعية للأمة الكردية ونقلها إلى الأجيال القادمة. وتزداد أهمية هذا الحدث عندما يكون الكتاب موسوعيا يوثق حياة المبدعين وإنتاجهم الفكري والأدبي، ويقدّم صورة شاملة لمسيرة الأدب الكردي في الوطن والمهجر.
ومن هذا المنطلق، يُعد صدور الكتاب الجديد للكاتب نجم الدين عزيز إسماعيل باللغة الكردية، باللهجة السورانية، في هولير، عاصمة الثقافة الكردية، إنجازاً ثقافيًا مهمًا يضاف إلى المكتبة الكُردية. فالكتاب لا يقتصر على توثيق سير عدد من الأدباء والشعراء والمثقفين، بل يرصد أيضاً مسيرتهم الإبداعية وإسهاماتهم في خدمة اللغة والأدب والفكر الكردي في أجزاء كُردستان الأربعة وفي بلدان المهجر.

لقد أثبتت الأمم الحية أن بناء الحضارة يبدأ بحفظ الذاكرة الثقافية، وأن الأمم التي توثق تاريخها الأدبي والفني تمتلك القدرة على صون هويتها في مواجهة تحديات الزمن. ومن هنا تبرز أهمية هذا العمل، لأنه يمثل مرجعاً علمياً وثقافيا للباحثين والطلبة والمهتمين بالأدب الكُردي، ويمكن أن يكون منطلقاً لدراسات أكاديمية جديدة في الجامعات ومراكز البحث.
إن الأدب الكُردي يمتلك ثروة إنسانية كبيرة، تجلت في الشعر والرواية والقصة والفن والغناء، وأسهمت في الحفاظ على اللغة والهوية رغم ما تعرض له الشعب الكُردي من ظروف سياسية وتاريخية قاسية. وقد لعب الفنانون الكبار، أمثال حسن زيرك، ومحمد عارف جزراوي، وتحسين طه، وآياز يوسف، ومحمد شيخو، وشفان برور، دوراً محورياً في ترسيخ الوجدان الكُردي، حتى أصبحت أعمالهم جزءاً من الذاكرة الوطنية، تماماً كما أسهم كبار الأدباء والشعراء في بناء الثقافة الكردية الحديثة.
كما أن تجربة إقليم كردستان، وهولير على وجه الخصوص، وفرت بيئة ثقافية مناسبة لازدهار النشر والتأليف، وأسهمت في تشجيع المشاريع الفكرية التي تعنى بتوثيق التراث والإبداع الكردي. وهذا ما يجعل صدور مثل هذه المؤلفات رسالة تؤكد أن الثقافة تظل إحدى أهم ركائز بناء المجتمع وترسيخ الهوية.
وقد تأثرتُ خلال تجربتي الأدبية بمدارس الأدب الإنساني العالمية، ولا سيما المدرسة السريالية الفرنسية، وبأعمال غيوم أبولينير، وبول إيلوار، وجاك بريفير، إضافة إلى فيكتور هوغو الذي جعل من الأدب رسالة للدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. وانطلاقاً من هذه الرؤية، سعيت من خلال الكتابة والترجمة إلى بناء جسور بين الأدب الكردي والآداب العالمية، إيماناً بأن الحوار الثقافي يثري الشعوب ويقرب بينها.
إن الأمة الكُردية بحاجة اليوم إلى مشاريع موسوعية كبرى، على غرار Encyclopédie الفرنسية أو سلسلة Lagarde et Michard التي وثقت تاريخ الأدب الفرنسي ومدارسه وأعلامه. فمثل هذه المشاريع لا تحفظ أسماء المبدعين فحسب، بل تؤسس لذاكرة ثقافية راسخة، وتوفر مصادر علمية موثوقة للباحثين والأكاديميين.
ولا تكتمل رسالة هذه المؤلفات إلا بترجمتها إلى اللغات العالمية، لتصبح جزءاً من حركة البحث العلمي والدراسات المقارنة، وليتعرف العالم إلى ثراء الأدب الكُردي وإسهاماته في الثقافة الإنسانية.
إن الاحتفاء بصدور هذا الكتاب ليس احتفاءً بمؤلف جديد فحسب، بل هو احتفاء بالثقافة الكردية نفسها، وبكل قلم يؤمن بأن الكلمة الحرة قادرة على حفظ التاريخ، وصناعة الوعي، وبناء المستقبل. فالأمم تبقى بما تنتجه من علم وأدب وفكر، والكتب الجادة هي الذاكرة التي لا يطويها الزمن.

قد يعجبك ايضا