رسالة البارزاني الخالد لجيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الاميركية ” سيادة الرئيس، نحن لا نعارض الإتفاق الإيراني- العراقي. لكن هل كانت هناك حاجة لأن يصبح الكورد ضحاياه؟”

اعداد: عدنان رحمن

 

          بعد ان صدر كتاب بعنوان ( الزعيم الكوردي الاسطوري- مصطفى البارزاني) في العام 2013 عن معهد الدراسات الشرقية- موسكو، خرج الكتاب ورأى النور في كوردستان العراق من قبل ( قسم الدراسات والتأهيل للحزب الديمقراطي الكوردستاني) في اربيل عام 2026. كان الكتاب من تأليف: ( اولگا ايـڤـانوڤـنا ژيگالينا) وتُرجِمَه الى العربية من الروسية ( أ.د. اسماعيل حصاف)، وقد طُبِعَ في مطبعة دانيشفر، وفي الصفحة الاولى للكتاب ورد عن معهد الدراسات الشرقية- موسكو 2013 ما يلي:

– ” الكتاب المقدم للقارئ هو عرض تاريخي لشخصية الملا مصطفى البارزاني، القائد المعروف للحركة القومية الكوردية في العراق في الأربعينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الذي كرس جلّ حياته للنضال من أجل إستقلال كوردستان العراق، وإكتسب شهرة ليس فقط في كوردستان، ولكن أيضا في العالم. يعرض المؤلف شخصية مصطفى البارزاني كمقاتل من أجل الإستقلال الذاتي لكوردستان العراق على خلفية تاريخ كورد العراق في منتصف القرن العشرين، ويتم التركيز بشكل خاص على إبراز صفاته المبدئية وإمتلاكه لكافة مزايا القادة المعاصرين، وتمتعه بالتقدير الدولي وإحترامه للناس“.

الكتاب بثمانية فصول، الفصل الثامن منه بعنوان ( السنوات الاخيرة من حياة مصطفى البارزاني) ورد في جزء منه في متن الكتاب:

– ” إقامة مصطفى البارزاني في إيران: فجأة رأى مصطفى البارزاني نفسه كبيرا في السن، منكسر معنويا وبدنيا، استقال من رئاسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني. في البداية عاش في بلدة نغده الصغيرة، الواقعة في مقاطعة أذربيجان الغربية الإيرانية، حيث عاش ذات يوم أثناء وجوده في كوردستان إيران، خلال إعلان جمهورية كوردستان في مهاباد. هنا قاد حراس البارزانيين المسلحين في أول جمهورية كوردية تتمتع بالحكم الذاتي أنشأها قاضي محمد داخل إيران. خلال إقامته القصيرة في كوردستان إيران، اكتسب الملا مصطفى شهرة دولية بفضل موهبته العسكرية والتزامه بمثل الحكم الذاتي الكوردي. هنا سعى إلى السلام والهدوء. وعلى الرغم من الهزيمة الكاملة لحركة الإستقلال الذاتي التي كان يقودها، وخسارة كل الإنجازات التي سفك من أجلها البيشمركة الموالون له الدماء لسنوات عديدة من النضال، وخيانة حلفائه في الخارج والإقليم، قال الملا مصطفى البارزاني، أثناء وجوده في المنفى القسري، للصحفي المصري محمد حسنين هيكل: “الثورة الكوردية لم تنته بعد. نحن الآن في إستراحة لالتقاط أنفاسنا. دوري انتهى. لكن الشعب الكوردي باق ويمكنه اختيار زعيم يستمر في المقاومة”(1). يلقي بعض الكتاب الكوردباللائمة في انهيار الإنتفاضة الكوردية على الملا مصطفى، ورفضه اللجوء إلى تكتيكات حرب العصابات. (2) وقد زودت السلطات الإيرانية مصطفى البارزاني وأقاربه بـ ٤٠ منزلا في مدينة كرج قرب طهران، ووزعت باقي الكورد على معسكرات مختلفة من إيران، الأمر الذي لم يناسب البارزاني، حيث أعرب عن استيائه من الممثلين الإيرانيين الذين التقوا به بانتظام مرة إسبوعيا لمناقشة المشاكل الملحة. نظرا لإنعدام الحرية السياسية للحزب الديمقراطي الكوردستاني في إيران وهي: الحق في الانخراط في أي نوع من الدعاية، تم إرسال بعض أعضائه إلى أوروبا. وفي يونيو ١٩٧٥، سافر مصطفى البارزاني وابنه إدريس إلى الولايات المتحدة لتقديم التماس للمساعدة في إنشاء حركة سياسية جديدة، كان الملا مصطفى نفسه ينوي قيادتها. كان هناك في عزلة تامة. تلقى رعاية طبية ثم قام بجولة في الولايات المتحدة. طلب البارزاني الاجتماع حالا مع وزير الخارجية الامريكي هنري كيسنجر. ولكن بعد فترة استقبله نائبه جوزيف سيسكو. لم يعد دعم البارزاني وثيق الصلة بالسياسة الأمريكية في العراق. حتى أن البيت الأبيض رفض تقديم المساعدة الإنسانية للاجئين الكورد. بدأ عشرات الآلاف من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني، المنتشرين في جميع أنحاء إيران، بالتواصل تدريجياً مع بعضهم البعض من أجل إعادة تنظيم حزبهم. ومع ذلك، كان نشاطهم السياسي في إيران محدوداً. في هذا الصدد، تم اتخاذ قرار في أوروبا لإعادة تنظيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني القيادة المؤقتة. (3) في أغسطس ١٩٧٦، عقد مؤتمر حزبي في برلين، أعلن فيه إنشاء القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني. واعيد انتخاب مصطفى بارزاني رئيسا للحزب وسامي عبد الرحمن سكرتيرا اول.قال مسعود البارزاني في المؤتمر التاسع للحزب الديمقراطي الكوردستاني، المنعقد في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٧٩، إنه في ظل ظروف الحالة النفسية الصعبة لكورد العراق بعد انهيار الإنتفاضة، كان إحياء نشاط الحزب مهماً للغاية. وجاء “ القرار النهائي بشأن إعادة تنظيم الحزب وإحداث القيادة المؤقتة بعد موافقة زعيمه مصطفى البارزاني”. (4) نظم التقرير أنشطة القيادة المؤقتة: “ تلعب القيادة المؤقتة دور اللجنة المركزية في الحزب. والقيادة المؤقتة ليست حزباً رجعياً ذي أيديولوجية غريبة، لكن الوقت فرض عليها إسناد وظائف قيادية إليها، لأن انهيار عام ١٩٧٥ قد أضعف معنويات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لذلك كان من الضروري إيجاد خليفة لتقاليد الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأتباع أفكار البارزاني”. (5) في المؤتمر الأول للقيادة المؤقتة، الذي عقد عام ١٩٧٦، “ وُصفت الأسباب الذاتية لهزيمة الإنتفاضة الكوردية بالأسباب الرئيسية”. (6) أن مصطفى البارزاني، الذي كان في إيران، تقاعد تدريجياً من العمل، أولاً بسبب سِنّهُ، وثانياً بسبب حظر السلطات الإيرانية على ذلك، مما حد من صلاحياته. وقد صرح البارزاني نفسه ذلك مراراً وتكراراً في محادثاته مع الصحفيين: على سبيل المثال، في مقابلة مع مراسل صحيفة “كيهان” الإيرانية أميري طاهري في ١٠ مايو ١٩٧٥، قال: “ أنا، لم أعد قائداً، أؤكد إنني لن أكون أبداً، وبما أن دوري قد إنتهى، أتمنى أن يُمحى اسمي من صفحات التاريخ“. على الرغم من هذا التصريح، شارك مصطفى البارزاني في إعادة تنظيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني – القيادة المؤقتة، وقد عيّن بنفسه أولئك القادرين على قيادة الهيئة المشكلة حديثاً. لعب سامي عبد الرحمن دوراً بارزاً بينهم. ومع ذلك، أثناء بقائه في إيران، نقل الملا مصطفى نفسه – على عكس السنوات السابقة – معظم السلطات إلى أيدي أبنائه. لقد اتخذت إيران موقفاً محايدا من هذه القضية. أدى تحسين العلاقات بين إيران والعراق إلى منع إضفاء الشرعية على أنشطة البارزاني في كوردستان، منذ وجوده في إيران، كان عليه تلقائياً الالتزام بالسياسة المشتركة بين الدولتين، ولم تتم الموافقة على إنشاء القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني من قبل السلطات العراقية. لم يتمكن مصطفى البارزاني، الذي كان يبلغ من العمر ٧٣ عاماً، من العودة إلى كوردستان. تفاقمت أوجاعه التي كانت تزعجه في العراق، لكنه أخفاها بعناية. أرسلته عائلته ورفاقه إلى الولايات المتحدة لإجراء فحوصات.

وفي جزء بعنوان ( العلاج في الولايات المتحدة)من الفصل نفسه ورد:

– ” فُحص مصطفى البارزاني في مايو كلينك. يذكره الطبيب المعالج قائلاً: “ لقد كان البارزاني رجلاً لطيفاً وذكياً. ناقشنا سيرته الذاتية، والأسباب التي يمكن أن يكون سبب مرضه. إلى حد ما، كان البارزاني شخصاً سليماً بدأ يلاحظ الأعراض التي تزعجه”. بعد الفحص الطبي، شُخصت حالته بسرعة بأنه مصاب بالسرطان، ووصف له أطباء الأورام مسار علاجي له. بعد أن علم بتشخيص حالته، تصرف مصطفى البارزاني بشجاعة. يتذكر الطبيب المعالج، في الواقع، بدا واضحاً أن هذا الرجل مقاتل. لقد أدرك ذلك على أنه إرادة الرب”. لم يتذمر من أي شيء … وكل من تواصل معه كان مفتوناً بشيء مميز عنه. لقد كان شخصية، وكان يمكن ملاحظة ذلك حتى في المحادثات، في طريقة جلوسه، وتحدثه، والتعبير عن أفكاره، شخص متحفظ، لكنه قوي للغاية. وعندما تكتشف ماضيه، وعن كل الأعمال التي قام بها، ستندهش أكثر … عرفنا اسمه، لكننا نطلق عليه دائماً الجنرال بارزاني. كانت الطريقة المثلى لإظهار الاحترام”. (7) أراد مصطفى البارزاني أن يستعيد قوته بما يكفي للعودة إلى كوردستان. كان هذا هدفه. في هذه المرحلة لم يحدث شيء سوى علاج التفاقم. عاد إلى واشنطن، ومن هناك كان ينوي الذهاب إلى طهران. يتذكره طبيبه الخاص: “ تذكرت الجنرال بإعتباره شخصاً فريداً من نوعه، لأنه كان يعرف نفسه جيداً، وصمد أمام كل ما كان عليه أن يختبره، بفهم فلسفي عميق بشكل غير عادي ممتناً”. خضع مصطفى البارزاني لعدة دورات علاجية حتى الوصول إلى النتائج المرجوة. وكان استمرار النضال السياسي في غضون ذلك، كانت الأخبار السيئة تأتي من العراق. بعد أن أعلن “ الحكم الذاتي” المزيف، شنّ صدام العنان لإبادة جماعية حقيقية ضد الكورد، حيث دمرت الدبابات والجرافات القرى الكوردية خارج منطقة “الحكم الذاتي”. من عام ١٩٧٤ إلى عام ١٩٧٨، تم تدمير١٢٢٢ قرية. ثم تم إجلاء سكانها إلى الجنوب، في ما يسمى بـ “ المجمعات السكنية”، حيث كانوا تحت رقابة مشددة من الشرطة. لم يُمنع الكورد من مغادرة “المجمع” فحسب، بل كان التواصل بين العائلات أيضاً صعباً. وفيها قُضيَ على الإنجازات في مجال الثقافة الكوردية بشكل كامل: أغلقت الأكاديمية الكوردية، ونقلت الجامعة الكوردية إلى أربيل، وتوقفت تدريجياً عن كونها كوردية. تحول التعليم المدرسي في كوردستان مرة أخرى إلى للغة العربية. تم تنفيذ الإدارة في كوردستان من قبل المسؤولين المعينين من قبل بغداد. في غضون ذلك، بقي مصطفى البارزاني في الولايات المتحدة. أخذ المرض يتفاقم. ومع ذلك، كانت أفكاره في الوطن باستمرار. استغل الملا مصطفى كل فرصة للقاء الصحفيين والسياسيين الأمريكيين ليخبرهم عن مأساة الكورد. في هذا الوقت، تم انتخاب جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة. أرسل له مصطفى البارزاني على الفور رسالة تهنئته، ناشده فيها بمرارة: “ سيادة الرئيس، نحن لا نعارض الإتفاق الإيراني – العراقي. لكن هل كانت هناك حاجة لأن يصبح الكورد ضحاياه؟، نحن الكورد صدقنا وعود الولايات المتحدة وإيران وحاربنا المجلس العسكري العراقي. أين هذه الوعود التي قُطعت باسم الحرية؟ في مخيمات اللاجئين الإيرانيين؟ أم في جنوب العراق أين تم إبعاد الكورد؟، أم في تشتت الكورد في الغرب؟ وفي تفريق العائلات والزوجات والأطفال؟ أم في عذاب مميت؟ هل يمكن للمجتمع الدولي، الذي يجلب الحرية والإستقلال والديمقراطية لجميع شعوب العالم، أن يظل غير مبال بهزيمة الحرية الكوردية وكل ما يتم فعله الآن مع الكورد؟ هل من المعقول، أن لا تظهر أي مبادرة؟”. (8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١. 100 лет Мулле Мустафе Барзани, с. 34.

٢. Д лер Хамад. Национально-освободительное движение в Иракском Курдистане, с. 16.

٣. Б арзани М. Доклад IX конгресса ДПК. 04.11.1979.

٤. Т ам же, с. 52.

٥. Т ам же.

٦. Т ам же, с.17.

٧. 100 лет Мулле Мустафе Барзани, с. 56.

٨. Т ам же, с. 35.

 

قد يعجبك ايضا