نبيل عبد الأمير الربيعي
شهد الفكر السياسي العربي الحديث تجارب أيديولوجية متباينة رفعت شعارات النهضة والتحرر والوحدة، إلا أن كثيراً منها انتهى إلى إنتاج أنظمة سلطوية أغلقت المجال العام، وأفرغت الدولة من مضمونها الديمقراطي. ومن بين الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة بالنقد والتحليل، يبرز كتاب (فاشية التخلف.. البعث العربي نموذجاً) للدكتور حسين الهنداوي، الصادر عن دار المدى، بوصفه محاولة فكرية جادة لإعادة قراءة تجربة حزب البعث في العراق وسوريا من منظور يربط بين التخلف البنيوي والاستبداد السياسي، ويعيد مساءلة العلاقة بين الفكر الشمولي وإخفاق مشروع الدولة الوطنية العربية.
لا يكتفي المؤلف بسرد الوقائع التاريخية أو توثيق المراحل السياسية التي مر بها حزب البعث، بل ينطلق من رؤية فلسفية ترى أن الاستبداد ليس حادثة عابرة في التاريخ السياسي، وإنما هو نتاج بنية ثقافية وفكرية تسمح بإعادة إنتاجه كلما غابت المؤسسات الديمقراطية، وضعفت ثقافة المواطنة، وهيمنت الأيديولوجيات المغلقة التي تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

ومن هنا تأتي أهمية عنوان الكتاب؛ فمصطلح (فاشية التخلف) لا يستخدم بوصفه توصيفاً خطابياً أو حكماً أخلاقياً، بل مفهوماً تحليلياً يسعى إلى تفسير ظاهرة سياسية واجتماعية معقدة. فالتخلف، في رؤية الهنداوي، لا يعني فقط ضعف الاقتصاد أو محدودية التطور العلمي، وإنما يعبر عن اختلال عميق في الوعي السياسي، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والفرد. إنه تخلف في إنتاج الثقافة الديمقراطية، وفي الإيمان بالتعددية، وفي احترام الاختلاف، وفي بناء المؤسسات التي تجعل السلطة خاضعة للقانون لا فوقه.
ومن هذا المنطلق، يعيد المؤلف مسألة الفكرة التي طالما روجت لها الأنظمة الشمولية، ومفادها أن التنمية الاقتصادية أو الإنجازات العمرانية يمكن أن تكون بديلاً عن الحرية السياسية. فالحداثة التي تبنى على القمع ليست حداثة حقيقية، لأنها تقتصر على المظاهر العمرانية والإدارية، بينما يبقى الإنسان مجرد أداة في خدمة السلطة، فاقداً لحقه في المشاركة وصنع القرار.
ويطرح الكتاب فرضية فكرية جديرة بالتأمل، مفادها: أن الفاشية ليست حكراً على التجربة الأوروبية التي شهدها القرن العشرون، بل هي نمط في التفكير السياسي يمكن أن يتكرر كلما توفرت شروطه الموضوعية؛ كضعف المجتمع المدني، واحتكار السلطة، وتحويل الحزب إلى مرادف للوطن، والقائد إلى رمز فوق النقد والمساءلة. وبهذا المعنى، تصبح الفاشية بنية ذهنية قبل أن تكون نظاماً سياسياً.
ويولي الدكتور حسين الهنداوي اهتماماً خاصاً بالجذور الفكرية التي أسهمت في نشوء التجربة البعثية، مبيناً أن بعض الاتجاهات القومية العربية تأثرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالمناخ الفكري الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين، حيث برزت فكرة الحزب القائد، والزعيم الملهم، وإعلاء إرادة الأمة على حقوق الأفراد. ولم يكن هذا التأثر مجرد استعارة لبعض المفاهيم، بل انعكس في طبيعة التنظيم الحزبي، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي أساليب التعبئة السياسية التي اعتمدت على صناعة الإجماع القسري وإلغاء التعدد.
لقد كانت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية تحمل، في أصلها، طموحات مشروعة لدى أجيال عربية كانت تتطلع إلى التحرر من الاستعمار والتخلف، غير أن الإشكالية لم تكن في الشعارات ذاتها، بل في الطريقة التي جرى توظيفها بها. إذ تحولت هذه الشعارات، مع مرور الزمن، إلى أدوات لإضفاء الشرعية على احتكار السلطة، وأصبح الحزب يحتكر الوطنية، بينما يُتهم كل مخالف بالخيانة أو العمالة أو التآمر على الأمة.
ويقدم الكتاب قراءة دقيقة لتجربة العراق، بوصفها أحد أبرز النماذج التي تجسدت فيها هذه الظاهرة. فقد استطاع النظام البعثي أن يبني شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية والتنظيمات الحزبية والمؤسسات الدعائية، بحيث لم يعد القمع مقتصراً على الأجهزة الأمنية، بل أصبح جزءاً من الثقافة اليومية التي يعيشها المجتمع. وتحولت الدولة تدريجياً إلى مؤسسة لإدارة الولاءات، لا لإدارة القانون، وأصبح الانتماء السياسي معياراً للتقدم الوظيفي والاجتماعي، بينما أُقصيت الكفاءات المستقلة، وأُخضعت الجامعات والنقابات والمؤسسات الثقافية لهيمنة السلطة.
ومن أهم ما يلفت النظر في الكتاب هو تأكيده أن التخلف ليس نتيجة الاستبداد وحده، بل هو أيضاً أحد أسبابه. فحين تضعف الثقافة الديمقراطية، ويغيب التعليم النقدي، ويُهمّش العقل العلمي، يصبح المجتمع أكثر استعداداً لقبول الخطاب الشعبوي، وأكثر قابلية للخضوع لسلطة الفرد. وهنا تتشكل دائرة مغلقة يعيد فيها التخلف إنتاج الاستبداد، بينما يعيد الاستبداد إنتاج التخلف.
وفي هذا السياق، يناقش المؤلف العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة، مبيناً أن الأنظمة العقائدية كثيراً ما تستخدم الأفكار الكبرى بوصفها أدوات للهيمنة، لا مشاريع للإصلاح. فالأيديولوجيا تتحول إلى خطاب مقدس لا يجوز نقده، وتصبح السياسة مجالاً للطاعة لا للحوار، ويختزل الوطن في الحزب، والحزب في الزعيم، والزعيم في صورة أسطورية تُحيط بها هالة من العصمة السياسية.
ولا يقف الكتاب عند حدود التجربة البعثية، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بمستقبل الفكر السياسي العربي. فهل يمكن بناء دولة حديثة من دون مراجعة نقدية للموروث الأيديولوجي؟ وهل يكفي تغيير الأشخاص إذا بقيت البنية الفكرية ذاتها قائمة؟ وهل تستطيع الديمقراطية أن تنجح في بيئة لم تتصالح بعد مع قيم التعددية والمواطنة وسيادة القانون؟
إن هذه الأسئلة تمنح الكتاب بعداً استشرافياً، لأنه لا ينظر إلى الماضي بوصفه مادة للتوثيق فحسب، وإنما باعتباره مختبراً لاستخلاص الدروس. فالمجتمعات التي لا تراجع تجاربها بجرأة، تبقى معرضة لتكرار أخطائها، حتى وإن تغيرت الأسماء والشعارات.
لقد أثبتت التجارب السياسية في العالم أن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، ولا بالأحزاب العقائدية المغلقة، ولا بتمجيد الزعماء، وإنما بإقامة مؤسسات دستورية مستقلة، واحترام القانون، وضمان حرية الرأي، وتداول السلطة، وصيانة كرامة الإنسان. فالدولة التي تجعل المواطن محور مشروعها هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
إن كتاب (فاشية التخلف.. البعث العربي نموذجاً) يمثل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، لأنه يتجاوز السرد التاريخي إلى التحليل الفكري، ويتعامل مع التجربة البعثية بوصفها نموذجاً لإشكالية أوسع تتعلق بطبيعة الدولة العربية الحديثة، وعلاقتها بالسلطة والمجتمع والثقافة السياسية. كما أنه يدعو إلى إعادة قراءة تاريخنا السياسي بعيداً عن التقديس أو الشيطنة، وبمنهج علمي يسعى إلى الفهم قبل إصدار الأحكام.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في نقد تجربة سياسية بعينها، وإنما في دعوته الصريحة إلى ترسيخ ثقافة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وبناء دولة المواطنة والمؤسسات، بوصفها الضمانة الوحيدة لمنع عودة الاستبداد بأسماء جديدة وشعارات مختلفة. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة الشمولية قد تسقط، لكن الأفكار التي أنتجتها قد تعود إذا بقيت البيئة الثقافية والسياسية التي أنجبتها على حالها.
ولهذا فإن مراجعة التجارب السياسية العربية، وفي مقدمتها التجربة البعثية، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية، لأن الأمم لا تبني مستقبلها إلا حين تمتلك الشجاعة الكافية لمساءلة ماضيها، وتفكيك البنى الفكرية التي أعاقت تقدمها، والانطلاق نحو مشروع وطني يقوم على الحرية، والتعددية، والعدالة، وسيادة القانون. فهذه القيم ليست مجرد شعارات سياسية، بل هي الأساس الذي تبنى عليه الدولة الحديثة، ويصان به الإنسان من كل أشكال الاستبداد، مهما تبدلت أسماؤه أو تبدلت وجوهه.