الشاعر سرحان محمد علي الكاكئي
كل صباح
كانت الحافلة تمتلئ
بالوجوه نفسها:
العامل
الذي ينام واقفا
الموظفة
التي تحفظ الطريق
أكثر مما تحفظ أسماء أبنائها
الطالب
الذي يحمل حقيبة
أثقل من عمره
والرجل العجوز
الذي يصعد دائما
آخر الركاب
ويجلس
في آخر مقعد
لم يكن أحد
يعرف اسمه
لكن الجميع
كانوا يعرفون
أنه ينظر من النافذة
طوال الطريق
كأنه ينتظر
شيئا لن يأتي
في أحد الأيام
لم يصعد
تحركت الحافلة
في موعدها
لم يسأل عنه أحد
كان لكل واحد
هم أكبر
من غياب رجل
لا يعرفه
مر أسبوع
ثم شهر
ثم سنة
وفي صباح بارد
جلس شاب
في آخر مقعد
نظر من النافذة
بالطريقة نفسها
أخرج صورة قديمة
طواها
وأعادها إلى جيبه
حينها فقط
فهمت
أن المقاعد
لا تحفظ أسماء أصحابها
بل تحفظ
أثقالهم
في المدينة
لا أحد يلاحظ
من يغيب
الناس
لا يعدون الوجوه
إنهم يعدون
الأيام حتى نهاية الشهر
والرواتب
وفواتير الكهرباء
وأكياس الخبز
حتى الحزن
صار يعمل
بدوام جزئي
في المساء
عادت الحافلة
فارغة
مرت
أمام المقبرة
ثم أمام المستشفى
ثم أمام السوق
ثلاثة أماكن
يتكرر فيها الازدحام
كل يوم
كأن المدينة
لا تعرف
كيف توزع
خساراتها
في اليوم التالي
جلس رجل آخر
في آخر مقعد
ثم امرأة
ثم طالب
وبقي المقعد
يفعل ما يجيده:
يستمع
إلى الذين
لا يجدون
من يستمع إليهم
أدركت متأخرا
أن المدن
لا تقتل الناس
إنها تجعلهم
يمرون بجانب بعضهم
سنوات طويلة
دون أن يعرف أحدهم
أن الآخر
كان يحتاج
إلى كلمة واحدة فقط…
كي لا يشعر
أنه يجلس وحده
في آخر مقعد