زمان عراه الصدأ

حكيم نديم الداوودي

في الطرقات الرحبة يتعالى صراخ، هدير، زمزمة، قصف، انهيار مبنئ أو جسر، غسق سخامي، تظاهرة لعصافير حائرة ما بين أعشاشها والفضاء.. ريح سكرى.. وصمت هجر المنطقة.. تضحك البوابة وهي تودع رواد السوق والحانات.. آلة تبتلع الأرصفة، وقمر جميلٌ يُزيّن واجهة الليل.. أنظره متأملاً من النافذة .. كنتُ أعشقه ولما أزل وهو يُضيء جسد المدينة الهزيل، وأضواءها الكليلة.. فهل من عاشق مثلي يتخبط في هذه الساعة توازنه .. يتأرجح ما بين ليله ونهاره.. تجوال، سحب، صخب نزهات من مبتدا النهار حتى سقوط الشمس وراء الأفق.. والليل سكن العشاق… ذئاب الليل تحوم .. أرغفة تنتظر أفواها … نهار ضاج بهدير الباصات، والقاطرات تودّع ركابها .. مريض في المشفى يشخر إلى جواري كما لو كان مضخة لسحب المياه.. جنة عدنٍ امحل قاطنوها.. وصاروا غباراً .. قدح فيه ماء بارد.. عطش ينتظر من يُطفئ غليله .. أطفال ينتظرون قبالة خطوط العبور ومجموعة أخرى يعبرون الشارع بصحبة معلماتهم… الحديقة الأنيقة يُسقسق ماء حوضها.. النوارس تطير منخفضة .. عسل خلف واجهة المحل معباً في علب الزجاج.. زمان عراه الصدأ.. الموج يضرب زنابق الشاطئ.. سفن تقلع وأخرى تجيء.. تلج توقف لتوه عن الهطول.. أنت يا صديقي الوحيد لم انقطعت عني رسائلك.. ببغاء معمر يتمرد عن النطق الفصيح… يستغرق في ترترة الإزعاج.. خميلة ريانة تحتضن أزهارها.. وأنا ما لي في هذه الساعة غسيني القلق… سأطوي صفحتي وأنام… النوم أكسير كل توتر.. أرنو إلى الفضاء، البرد في الخارج يتفاقم.. والدفء في الداخل يضاجع سريري.. الصيف آت كضيف قادم لكنه بعيد.. الطريق سالك .. تعال نتمشى، وتتلقى تحيات الأصدقاء.. الصحف كتبان كلمات.. أخبار ضحة تتكدّس حدّ التقيؤ… كتب المكتبة ومنذ شهور على حالها، لم يطرأ عليها جديد.. قراء لا يقرؤون لكنهم في الظاهر يتصفحون… موسيقى الجاز تصخب في الأشرطة… السوق، المقهى، المسرح، والأطفال، والحوارات كلها زاد النهار..

وأنا في مخيلتي أرسم لوحة عنوانها زمان عراه الصدأ.

قد يعجبك ايضا