د. جيا عبد الكريم رشيد
إطار قانوني لتعزيز الأمن والاستقرار العالمي
يشهد العالم تحولاً غير مسبوق بفعل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ لم تعد تطبيقاته مقتصرة على المجالات الاقتصادية أو الصناعية، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في العلاقات الدولية وصنع القرار السياسي والدبلوماسي والأمني. وقد أدى هذا التحول إلى ظهور تحديات قانونية وأخلاقية جديدة تتجاوز الحدود الوطنية، الأمر الذي يفرض التفكير في إنشاء اتفاقية دولية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي وفق قواعد قانونية ملزمة تحقق التوازن بين الابتكار وحماية الأمن والسلم الدوليين.
لقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل البيانات الضخمة، ودعم القرارات الحكومية، وإدارة البنى التحتية الحيوية، والمساهمة في العمليات العسكرية والاستخباراتية، فضلاً عن التأثير في الرأي العام من خلال تقنيات التوليد الآلي للمحتوى. ويعني ذلك أن أي استخدام غير منظم لهذه التقنيات قد يؤدي إلى تهديد مبدأ السيادة، وزيادة احتمالات النزاعات، وتصاعد الهجمات السيبرانية، وإنتاج معلومات مضللة تؤثر في الاستقرار الدولي.
ويكشف الواقع الدولي عن وجود فجوة تنظيمية واضحة؛ فالاتفاقيات الدولية القائمة لم تُصمم أساساً لمعالجة المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما أن التشريعات الوطنية تختلف بصورة كبيرة من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يسمح بظهور بيئات تنظيمية غير متجانسة قد تستغلها جهات حكومية أو خاصة لتحقيق مكاسب تتعارض مع مبادئ القانون الدولي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى اتفاقية دولية شاملة تنطلق من مبادئ احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحماية حقوق الإنسان، والشفافية، والمساءلة، والتناسب، والرقابة المستقلة. كما ينبغي أن تتضمن الاتفاقية تعريفات دقيقة لأنظمة الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة، وآليات لتبادل المعلومات، وإجراءات للتعاون الدولي في التحقيق بالحوادث العابرة للحدود.
ويفترض أن تميز الاتفاقية بين الاستخدامات المدنية المشروعة والتطبيقات العسكرية ذات المخاطر العالية، مع وضع قيود على أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، وإلزام الدول بالإبقاء على إشراف بشري فعّال على القرارات التي تمس حياة الإنسان أو الأمن الدولي. كما ينبغي تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات الإعلامية العابرة للحدود للحد من التضليل والتلاعب بالمعلومات.
وتتطلب الحوكمة الدولية الفاعلة إنشاء هيئة دولية متخصصة تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة لمراقبة الالتزام بأحكام الاتفاقية، وإصدار معايير فنية، وإجراء مراجعات دورية، وتقديم المساعدة الفنية للدول النامية، فضلاً عن تسهيل تسوية المنازعات المتعلقة بتطبيق أحكام الاتفاقية.
إن نجاح أي اتفاقية مستقبلية يعتمد على تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار وعدم فرض قيود تعيق البحث العلمي، وبين حماية المجتمع الدولي من المخاطر الناجمة عن الاستخدام غير المسؤول لهذه التكنولوجيا. ولذلك ينبغي اعتماد نهج قائم على تقييم المخاطر، بحيث تخضع التطبيقات عالية الخطورة لمستويات أعلى من الشفافية والاختبار والتدقيق.
ويمثل القطاع الخاص عنصراً محورياً في هذا المجال، لأن الشركات المطورة تمتلك جانباً كبيراً من المعرفة التقنية والبنية التحتية. ومن ثم فإن الاتفاقية ينبغي أن تفرض التزامات تتعلق بتقييم الأثر، وإدارة المخاطر، وحماية البيانات، والإبلاغ عن الحوادث، مع المحافظة على حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار المسؤول.
وفي ضوء التنافس الجيوسياسي المتزايد، فإن الاتفاقية المقترحة يمكن أن تؤدي دوراً شبيهاً بالاتفاقيات الدولية المنظمة لمجالات أخرى ذات أثر عالمي، من خلال بناء الثقة بين الدول، وتقليل احتمالات سباقات التسلح التكنولوجي، وتعزيز التعاون العلمي، ووضع قواعد مشتركة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
إن المستقبل يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم عناصر القوة الوطنية، ولذلك فإن غياب إطار قانوني دولي موحد سيزيد من حالة عدم اليقين ويضاعف احتمالات النزاع. ومن ثم فإن الاتجاه نحو اتفاقية دولية ملزمة لم يعد خياراً نظرياً، بل يمثل ضرورة استراتيجية لضمان أن تبقى هذه التكنولوجيا أداة لخدمة التنمية والسلام والاستقرار، لا سبباً لتقويض النظام الدولي.
وتأسيساً على ما تقدم، فإن بناء منظومة قانونية دولية متكاملة لتنظيم الذكاء الاصطناعي يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدول والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمجتمع الأكاديمي، مع مراجعة دورية للأحكام القانونية لمواكبة التطور التقني المتسارع، واعتماد آليات تنفيذ فعالة تضمن الامتثال والمساءلة وتعزز الثقة الدولية في الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.