كربلاء… حين تكون الكرامة أغلى من الحياة

الدكتور كريم جبر شمخي

كلما اشتد عصف الاستبداد، وأرخى الطغاة ستائرهم الحديدية على رقاب الشعوب، يعود ضمير التاريخ ليُذكّر العالم بومضة نورانية خالدة في صحراء كربلاء.

ليست كربلاء مجرد صفحة في كتب الماضي، بل هي يقظة أخلاقية تهز كيان الإنسانية كلما غفا الضمير، ومرآة تعكس للجبابرة حقيقتهم العارية: أن الجسد قد يُقطّع، لكن الروح التي تأبى الانكسار تبقى أبدية .

هناك، على رمضاء الطف، لم تكن المعركة صراعاً على ملك أو سلطان، بل كانت محكمة الكون التي فصلت بين الخلود والزوال.

حين وقف الحسين (عليه السلام) في مواجهة جيش الطغاة والظلم والجور ، لم يكن يدافع عن عرش، بل كان يدافع عن المعنى الحقيقي للوجود.

لقد آثر الموت وقوفاً على الحياة ركوعاً، وفي تلك اللحظة الفاصلة، دوّن أعظم دروس التاريخ : أن الكرامة ليست هبة من حاكم، ولا رخصة من سلطان، بل هي أصل إلهي في فطرة كل إنسان، لا تُمحى إلا إذا محا الإنسان روحه بنفسه .

وهنا تكمن الصدمة التي يجب أن يتوقف عندها العالم: بينما يتشدق الغرب اليوم بـ”مواثيق حقوق الإنسان” كمنجز حداثي، نجد أن تربة كربلاء قد أنبتت قبل أربعة عشر قرناً المفهوم الأرقى والأسمى لهذه الحقوق. ففي كلمته الخالدة “هيهات منا الذلة”، لم يكن الحسين ( عليه السلام ) يرفض الاستسلام فحسب، بل كان يضع حجر الأساس لدستور أخلاقي يقول: الحرية عرضٌ لا يُرهن، والماء والخبز لا يعادلان طرفة عينٍ في وجه الطغيان. إنها رسالة إلى كل مستضعف في الأرض: أن قيمتك لا تنقص حين يزيد عليك الجبارون، بل تعلواسمحوا لي أن أقولها بصراحة: السلطة لا تخلق القيم، بل القيم هي التي تخلق شرعية السلطة. المستبدون الذين يظنون أنهم يملكون رقاب العباد يجهلون أن الضمير الإنساني لا يخضع للاستيطان. إن صوت الحق، مهما خُنق بالحديد والنار، يظل يتردد كالصدى في كهوف الزمن، وكأن رمضاء كربلاء ما زالت تشتعل في وجدان الأحرار كلما مدّ طاغٍ يده لانتهاك حرمة إنسان .

وتبقى كربلاء منارة للثائرين وحجة على المتخاذلين. إنها دعوة مفتوحة لكل إنسان يبحث عن معنى للوجود، بأن يدرك أن الكرامة ليست سلعة تُوزع في مكاتب البيروقراطيين، بل هي نار مقدسة أوقدها الخالق في قلوب عباده، لا تخبو إلا بموت الضمير. إحياء هذه الذكرى ليس استعادة لمأساة باكية، بل هو عهد متجدد مع الإنسانية، وتأكيد على أن الدم الزكي الذي سال هناك لم يكن نهاية درب، بل كان ينبوعاً لنهضة وعي لا تنضب.

ويبقى السؤال معلقاً بين السماء والأرض، ليس لأنه بلا جواب، بل لأن الجواب يتطلب منا شجاعة الحسين (عليه السلام ) نفسه.

إن أعظم تكريم لتلك التربة الطاهرة هو أن نعيش كرامتنا بوعي، وأن ننقل هذه الرسالة لأبنائنا ليس كقصة حزين ندمع لها، بل كمنهج حياة نستلهم منه الصمود .

فلنجعل من كل يومٍ عاشوراء، ومن كل أرضٍ كربلاء، ليس في المأساة، بل في الانتفاضة ضد الظلم والإصرار على العيش بحرية. عندها فقط، سنكون قد فهمنا الحسين ( عليه السلام ) حقاً، وأدينا الدين لتلك الملحمة التي غيرت مجرى التاريخ، وستظل تغيره ما بقي في الكون روح تحب الخير، وضمير يحارب الشر، وإنسان يؤمن بأن الموت في سبيل الكرامة هو عين الحياة .

قد يعجبك ايضا