الإمام الحسين (عليه السلام) وتأصيل حقوق الإنسان

الاستاذ الدكتور علاء شيال

قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وقبل أن تسمع البشرية بأول إعلان عالمي لحقوق الإنسان، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يخطّ بدمائه الشريفة في أرض كربلاء أسمى معاني الكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة للإنسان. فلم تكن نهضته مجرد حدث تاريخي عابر، بل كانت إعلاناً عالمياً لرفض الظلم والانحراف، والدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته. وقد أدركت الأجيال المتعاقبة في ثورته الرفض المطلق للظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعرقي والقبلي والإقليمي، واستشعروا في حركته التحررية الكرامة الإنسانية والحرية .

 

مبادئ حقوق الإنسان في نهضة الإمام الحسين

لقد جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته قيماً ومبادئ حقوق الإنسان التي كفلها الإسلام، وأكّد فيها ضرورة الاهتمام بتوعية الناس بحقوقهم. وقد أشار الإمام الحسين في خطبته يوم كربلاء إلى نقاط جوهرية تلخص رؤيته لحقوق الإنسان، ومن أبرزها :

أولاً: حفظ الكرامة الإنسانية – إذ أن من أهم الحقوق الأساسية للإنسان الحفاظ على كرامته الإنسانية، وعدم جواز المس بها أو التعدي عليها أو الحط منها، سواء بالفعل أو القول. وقد كرّم الله سبحانه وتعالى الإنسان واعتبره الكائن المفضل على سائر المخلوقات، وجعل الحفاظ على كرامته الإنسانية من أسمى صور التكريم .

ثانياً: التمتع بالحرية – رفض الإمام الحسين (عليه السلام ) الخضوع لسلطة ظالمة لا ترى في الحكم إلا وسيلة للقمع والاستبداد. فعندما طلبت السلطة الأموية منه مبايعة يزيد بن معاوية رغماً عنه، رفض الإمام أن يبايع حاكماً لا يرى فيه أهلاً للخلافة، مفضلاً الموت على الذل والانحناء للظلم .

 

ثالثاً: المساواة بين الناس – أكّد الإمام الحسين في أقواله وأفعاله على أن الناس متساوون في الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن أصولهم أو أعراقهم أو ألوانهم، وهو مبدأ يتجاوز ما ورد في المواثيق الدولية المعاصرة .

 

رابعاً: حق اختيار الحاكم – شدّد الإمام الحسين ( عليه السلام ) على حق الناس في اختيار حاكمهم، ورفض فرض الحكام عليهم بالقوة، وهو ما يشكل جوهر الديمقراطية والحقوق السياسية في العصر الحديث .

 

انتهاكات حقوق الإنسان في واقعة كربلاء

على النقيض من مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام )، مثّلت واقعة كربلاء نموذجاً صارخاً لانتهاك حقوق الإنسان بكل أشكالها.

ويمكن حصر أبرز هذه الانتهاكات في :

انتهاك حق التعبير عن الرأي حين طُلب من الإمام الحسين وغيره مبايعَة الحاكم الجديد رغماً عنهم، وكان مصير الممتنع هو الموت. وهذا يمثل انتهاكاً صريحاً لأبسط حقوق الإنسان في التعبير عن رأيه واختيار ما يراه صواباً

انتهاك حق الحرية الشخصية – تعرّض الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه للاحتجاز والتعسف والاعتقال، ومنعوا من ممارسة حرياتهم الأساسية .

انتهاك الحق في الحياة – تجلّى هذا الانتهاك في أسمى صوره بقتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه، وسلب ونهب ممتلكاتهم، وسبي النساء والأطفال. وقد مُنعوا من الماء وأُحاط بهم الجيش في صحراء كربلاء الحارقة في انتهاك صارخ للحق في الحياة والكرامة الإنسانية .

 

الإمام الحسين رائداً لحقوق الإنسان

يُعتبر الإمام الحسين (عليه السلام) من أوائل الدعاة إلى مبادئ حقوق الإنسان والمحافظة عليها من الانتهاك. ولم يكتفِ بالدعوة النظرية لهذه المبادئ، بل مارسها عملياً وضحّى بنفسه وأهل بيته من أجل هذه المبادئ الإنسانية .

وقد أسست ثورة الإمام الحسين لمبادئ وقيم حقوق الإنسان، وأصبحت هذه الثورة مدرسة لتعليم وتنمية الثقافة الحقوقية المستمدة من قيم الإسلام وأحكامه. ومن أهداف الثورة الحسينية صناعة الإنسان الرسالي الملتزم بالقيم الدينية والحقوق الإنسانية والأخلاق الإسلامية، والعمل على تحقيق العدل وإرساء العدالة الاجتماعية، ومقاومة الظلم والوقوف بوجه الظالمين .

إنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن مجرد ثورة سياسية ضد حكم جائر، بل كانت ثورة إنسانية بأبعادها الشاملة، أرست مبادئ حقوق الإنسان قبل أن تعرفها المواثيق الدولية بقرون طويلة. فالإسلام قد أعلن هذه المبادئ قبل أربعة عشر قرناً، وجسّدها الإمام الحسين عملياً في كربلاء حين ضحّى بنفسه وأهل بيته من أجل الكرامة الإنسانية والحرية والعدل .

وتبقى واقعة كربلاء درساً خالداً للإنسانية جمعاء، تُذكّر العالم بأن حقوق الإنسان ليست هبة من الحكام أو السلطات، بل هي حقوق أصيلة كفلها الخالق للإنسان، واستشهد من أجلها خيرُ البشر لتبقى شعلتها متقدة في قلوب الأحرار عبر العصور.

قد يعجبك ايضا