الاستاذ الدكتور علاء شيال
تخيّل أنك تحمل مصباحاً في ليل حالك، كلما وسعت دائرة ضوئه، رأيت ما هو أبعد، واكتشفت تفاصيل الطريق التي كانت تختبئ في الظلام، واستطعت أن تميز بين الحجر والماء، وبين السلامة والخطر. هذا المصباح هو التعليم بالضبط، فهو النور الذي لا يضيء العقل فحسب، بل يضيء الطريق نحو بقية الحقوق الإنسانية كلها، فالإنسان الذي يحمل شهادة لا يقرأ بها سطور الكتب، بل يقرأ بها عقود العمل التي تنتظره، ويفك رموز القوانين التي تحميه، ولذلك ليس غريباً أن نطلق على التعليم لقب “أم الحقوق”، لأنه الرحم الذي تولد منه كل المطالب المشروعة، والسلم الذي يصعد به الفرد من وهدة الجهل إلى قمم الوعي والمواطنة الفاعلة .
إن الحديث عن تطوير التعليم في سياق حقوق الإنسان يختلف جوهرياً عن الحديث عنه في سياق إعداد القوى العاملة فقط، لأن التطوير الحقوقي لا يسأل فقط: كيف نخرج مهندساً بارعاً أو طبيباً ماهراً؟ بل يسأل أولاً: كيف نخرج إنساناً واعياً بحقه في الكرامة، مدركاً لواجباته تجاه مجتمعه، قادراً على أن يقول “لا” للظلم بصوت لا يتردد، وأن يقول “نعم” للمشاركة بقلب لا يمل؟ ومن هنا، فإن أي خطة لتطوير التعليم ينبغي أن تبدأ بإعادة النظر في محتوى المناهج، بحيث لا تبقى حبيسة التلقين والحفظ الأعمى، بل تنفتح على ثقافة التساؤل والتحليل، وتغرس في الطالب منذ نعومة أظفاره أن الاختلاف في الرأي ليس خيانة، وأن النقد البناء ليس تمرداً، وأن المعرفة الإنسانية ملك للجميع، وليست حكراً على فئة دون أخرى، فالمدرسة التي تربي أبناءها على الخوف من الخطأ، تنتج مجتمعاً خائفاً من التجديد، بينما المدرسة التي تحتفل بالسؤال الجريء، تنتج علماء ومبدعين يغيرون وجه التاريخ .
ولا يمكن لتطوير التعليم أن يتحقق دون معالجة أزمة الشمولية التي ما زالت تعاني منها كثير من الدول، فكم من طفل محروم من مقعد دراسي لأن أسرته فقيرة، أو لأن القرية التي ولد فيها بعيدة عن أقرب مدرسة، أو لأن المجتمع ينظر إلى تعليم البنات على أنه نوع من الرفاهية لا الضرورة، وهنا يبرز الدور الأهم لحقوق الإنسان، وهو أنها تمنحنا المعيار الأخلاقي والقانوني للقول بأن كل هؤلاء الأطفال لهم الحق ذاته في التعلم، وأن الإنفاق على تعليم الفتاة الريفية أو الطفل ذي الإعاقة ليس صدقة، بل هو استرداد لحق مسلوب، واستثمار في طاقة كانت ستهدر لو تركناها، وقد أثبتت الدراسات أن تعليم الفتيات وحده قادر على رفع مستوى الدخل الأسري بأكمله، وتقليل معدلات وفيات الأمهات والأطفال، وتحسين الصحة العامة، لأن المرأة المتعلمة تصبح أكثر وعياً بتغذية أبنائها وصحتهم، وهذا يعني أن تطوير التعليم الشامل لا يخدم الفرد فقط، بل ينتشل أسراً وقرى بأكملها من براثن الفقر والمرض.
في قلب هذه المنظومة يقف المعلم كأهم عناصر التطوير، فالمعلم الذي لا يحصل على حقه في تدريب متجدد، وأجر يليق بجهده، واحترام يليق برسالته، لا يمكنه أن ينقل إلى طلابه أكثر مما يملك، وكيف له أن يغرس فيهم حب الاستطلاع وهو منهك تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية، أو مشتت بين عدة وظائف لسد رمق العيش؟ إن احترام حقوق المعلمين هو الخطوة الأولى نحو تعليم جيد، فالمعلم المنتصر لكرامته يبث في الفصل طاقة إيجابية، ويصبح قدوة لأبنائه في الصبر والعطاء، ونحن حين نطالب بتحسين أوضاع المعلمين، فإننا في الحقيقة نطالب بتطوير التعليم من بوابته الرئيسية، وليس من أسطحه، فنحن لا نريد معلماً يلقن دروساً، بل نريد معلماً يلهم أجيالاً .
إن العائد المجتمعي لتطوير التعليم كحق إنسان لا يقف عند حدود الكفاءة الاقتصادية، بل يتعداها إلى بناء نسيج اجتماعي متين، فالمجتمع المتعلم هو مجتمع أقل عرضة للتطرف والأفكار الهدامة، لأن التعليم يوسع الأفق ويعلّم الإنسان كيف يبحث عن الحقيقة في مصادر متعددة، ولا يكتفي بالحلقة الواحدة، كما أن التعليم يعزز الصحة العامة، فالمتعلم يدرك أهمية التطعيم والنظافة والتغذية السليمة، ويقلل من العادات الضارة التي ترهق القطاع الصحي، ويعزز الثقافة البيئية، فيحافظ على موارده الطبيعية، ويبتكر حلولاً مستدامة للتحديات المناخية، وهكذا نجد أن التعليم الصحيح يحل مشكلات لا حصر لها بطريقة غير مباشرة، ويكون بمثابة الدواء الذي يعالج علل المجتمع من جذورها، بدلاً من أن نضيع وقتنا وجهدنا في معالجة الأعراض السطحية كلما ظهرت .