حقوق الإنسان… رئة التنمية المتجددة

 

دكتور عبد الكريم جبر شمخي

في خضم السباق المحموم نحو الأرقام القياسية الاقتصادية، وفي زحام المدن التي تتسابق ناطحات سحابها نحو عنان السماء، يختلط الأمر على الكثيرين فيظنون أن التنمية مجرد معادلة جامدة من إنتاج واستهلاك، أو أنها مجرد حصيلة نهائية تظهر في التقارير السنوية على شكل نسب مئوية ونمو تراكمي. لكن الحقيقة الأعمق، تلك التي تتوارى خلف ستار الإحصاءات الباردة، تقول لنا بصوت لا يحتمل الشك: إن التنمية الحقيقية ليست طفرة معمارية، ولا وفرة مالية، بل هي حالة من التماسك الإنساني تبدأ من اللحظة التي يشعر فيها الفرد بأن كرامته مصانة، وحقه في العيش آمناً ومتعلماً ومعافى ليس هبةً تُمنح، بل أساساً تُقام عليه كل صروح المجد. فالمجتمع الذي يغفل عن نبض أفراده، ويختزل قيمته في مخزون ثرواته، يكون كجسد يحاول السير على رجل واحدة، يحاول أن يطير بجناح مكسور، فمهما بلغ من السرعة، فإن مصيره العثرات، ومآله السقوط المدوي .

إن العلاقة التي تجمع حقوق الإنسان بالتنمية ليست علاقة تزيين أو تحسين صوري، بل هي علاقة عضوية تكاملية، تشبه إلى حد كبير علاقة الروح بالجسد، أو علاقة الماء بالزرع. فحقوق الإنسان، في مقدمتها الحق في التعليم الجيد، والرعاية الصحية الشاملة، والعمل اللائق، والمشاركة الفاعلة، ليست مجرد بنود في مواثيق دولية نفتخر بالتوقيع عليها في المحافل، بل هي الوقود الحقيقي الذي يحرك عجلات الابتكار، وهي الزيت الذي يمنع احتكاك الفئات المجتمعية ببعضها فتحدث الصدامات والانقسامات. تأمل معي في مشهد متخيل: طفل يولد في أسرة فقيرة، لكن الدولة تكفل له علاجه وتعليمه، فذلك الطفل لن يظل أسير الفقر، بل سيكبر ليصبح مهندساً أو عالماً أو مبدعاً، فيضيف إلى الناتج القومي أضعاف ما أنفق عليه، بل ويورث أبنائه ثقافة الاعتماد على الذات والعطاء. وفي المقابل، لو تُرك ذلك الطفل فريسة الجهل والمرض، لتحول من طاقة كامنة قادرة على البناء، إلى عبء مستنزف للموارد، أو ربما إلى شرارة غضب وتمرد تهدد استقرار المجتمع بأكمله، وهنا يتجلى الدرس الأعمق بأن الاستثمار في الكرامة الإنسانية هو أكثر أنواع الاستثمار ربحية، وأن دول العالم المتقدم لم تبلغ ما بلغته من رخاء إلا حين جعلت من الإنسان محور خططها، وليس مجرد أداة تنفيذية فيها .

ولعل من أخطر الأوهام التي تسكن عقول بعض مخططي التنمية، هي تلك النظرة القاصرة التي تظن أن التنمية يمكن أن تتحقق بالقمع أو التكميم أو تهميش فئة لصالح أخرى، فالتجربة التاريخية خير برهان على أن المجتمعات التي كتمت أصوات أبنائها، وأغلقت نوافذ المشاركة، وقصت أجنحة الطامحين، عادت لتجد أن صمتها الزائف لم يدم طويلاً، بل انفجر في وجهها على هيئة أزمات خانقة، وثورات عارمة، وهجرات جماعية للعقول والكفاءات. إن التنمية المستدامة، تلك التي ترقى إلى مستوى التحديات العالمية، لا يمكن أن تنبت في تربة مستنزفة الكرامة، فالمواطن المحروم من حقه في التعبير عن رأيه، أو الممنوع من تنظيم جهوده مع جيرانه لحل مشكلة محلية، يتحول تدريجياً إلى كتلة من السلبية واللامبالاة، يفقد روح المبادرة، وينطفئ شغفه بالعطاء، وهنا نخسر جميعاً، نخسر حماسه، ونخسر أفكاره، ونخسر تلك الطاقة العظيمة التي كان يمكن أن تسهم في نهضة وطنه، لأن الإحباط حين يدخل النفوس يقتل فيها كل جنين مبدع، ويحول المواطن من شريك في البناء إلى مجرد متفرج ينتظر ما ستقدمه له الأقدار .

إن عملية التنمية أشبه ما تكون ببناء سفينة ضخمة تعبر بحار التغيير المتلاطمة، وحقوق الإنسان هي تلك الدعامات المتينة التي تضمن تماسك هيكلها، بل هي روح القبطان التي تمنحها الاتجاه الصحيح، فالحق في العدالة لا يعني فقط إنصاف المظلوم، بل يعني خلق بيئة آمنة يستطيع فيها المستثمر أن يضع ماله، والعالم أن يكرس وقته، والمزارع أن يغرس بذره، وكلهم على يقين بأن قوانين تحميهم، وأن مؤسسات تحمى حرمة جهودهم، وهذا اليقين بحد ذاته يولد ثروة هائلة من الثقة المتبادلة، التي هي أرخص وسائل الإنتاج وأعلاها مردوداً. وما أجمل تلك الدورة الذهبية التي تبدأ عندما تشعر الأم بأن ابنها سيحظى بتعليم مجاني متقن، فتعمل بجد لتوفير مستلزماته، وعندما يكبر هذا الابن ويحصل على فرصة عمل تليق بشهادته، لا يكتفي بالكسب لنفسه، بل يسهم من خلال ضرائبه في تمويل تعليم أطفال جدد، وهكذا تستمر عجلة الخير في الدوران، ويصبح المجتمع كائناً حياً يتنفس الكرامة، يمنحها فيأخذها، ويعطيها فيجني ثمارها .

ولكن، لا يمكننا أن نتغاضى عن العوائق التي تقف حجر عثرة أمام ترجمة هذا المثل الأعلى إلى واقع معاش، ومن أبرزها تلك الثقافة المجتمعية الراسخة التي تخلط بين احترام حقوق الآخرين وبين التبعية العمياء، أو تلك النزعات الاستغلالية التي تحاول اختصار التنمية في منجزات ملموسة سريعة، متجاهلة أن الأساس الغائب هو الأسلم، والمؤسف حقاً أن نظل نكرر التجارب الفاشلة، ونظن أن المشكلة تكمن في نقص التمويل، بينما هي في الحقيقة تكمن في نقص الإرادة على إعادة توزيع الفرص، وجعلها في متناول الجميع دون تمييز، فالمرأة الريفية التي تمنع من حقها في الإرث، أو المهاجر الذي يحرم من حقه في الرعاية الصحية، أو صاحب الاحتياجة الخاصة الذي يُقصى من سوق العمل، كلهم ليسوا مجرد أرقام في قائمة المهمشين، بل هم طاقات معطلة، وأحلام مؤجلة، ومكاسب ضائعة، ولو أننا استطعنا أن نُخرجهم من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج، لتغير وجه المجتمع بأكمله، ولأصبحنا أمام واقع جديد تزدهر فيه المبادرات، وتتعدد فيه الحلول، وتنمو فيه ثقافة التسامح وقبول الآخر .

//////////////////////////////

قد يعجبك ايضا