حين يختل ميزان العدالة

مصطفى طارق الدليمي

بين صفحات كتاب “دراسات في الفلسفة السياسية” توقفت عند سؤال ظل يرافق الدولة منذ نشأتها: ما الذي يجعل المواطن يشعر بالعدالة؟ أغلقتُ الكتاب لكن السؤال بقي مفتوحاً ومعلقاً في ذهني هل يشعر المواطن العراقي بهذه العدالة بحيث لا يحتاج البحث عن الإجابة إلى كثير من الجهد يكفي أن يُفتح ملف سلم الرواتب حتى يتجدد الحديث عن العدالة داخل مؤسسات الدولة
منذ أن نشأت الدولة ارتبطت العدالة بفكرة المساواة في الحقوق والواجبات لم يكن الفلاسفة ينظرون إلى العدالة على أنها توزيع متساوٍ للأموال انما توزيع منصف للحقوق بحيث يشعر المواطن أن القانون ينظر إليه كما ينظر إلى غيره وعندما يختل هذا الشعور تبدأ الثقة بالتراجع حتى لو كانت خزائن الدولة مليئة بالإيرادات ماعاد الجدل حول سلم الرواتب مرتبطاً بزيادة راتب هذه الفئة أو تلك انما أصبح سؤالاً عن فلسفة الدولة في إدارة مؤسساتها كيف يمكن لموظفين يحملون المؤهلات نفسها ويؤدون واجبات متقاربة أن يعيشوا فروقاً كبيرة في الرواتب والمخصصات والامتيازات؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح إداري من دون معالجة هذا التفاوت الذي تراكم عبر سنوات طويلة؟
إن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على الراتب نفسه فلكل وظيفة مسؤولياتها ومتطلباتها لكن العدالة تعني وجود معايير واضحة وثابتة يعرفها الجميع وتُطبق على الجميع أما حين تتعدد السلالم داخل الدولة الواحدة وتختلف الامتيازات بين مؤسسة وأخرى فإن الموظف لا يقارن دخله بحاجاته فقط انما يقارنه بزميل يؤدي عملاً مشابهاً ويتقاضى أضعاف ما يتقاضاه وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يتحول سلم الرواتب إلى ملف سياسي أكثر منه ملفاً إدارياً فكل حكومة تعد بإصلاحه وكل لجنة تعلن مراجعة مواده بينما يبقى الموظف ينتظر حلولاً لا تغادر الأوراق ومع مرور الوقت تتحول الفجوة إلى شعور عام بأن العدالة الوظيفية أصبحت مؤجلة وأن الإصلاح يسير بخطوات أبطأ من اتساع الفوارق
إصلاح سلم الرواتب لا يبدأ بإعادة توزيع الأموال فقط انما بإعادة بناء الثقة بين الدولة وموظفيها فالموظف الذي يشعر بالإنصاف يكون أكثر إنتاجاً وأكثر التزاماً وأكثر إيماناً بمؤسسته أما حين يشعر أن معايير التوزيع لا تقوم على العدالة فإن الإحباط يتحول إلى بيئة تضعف الأداء وتؤثر في كفاءة الجهاز الإداري كله
الحديث عن سلم الرواتب ليس حديثاً عن المال وحده انما عن صورة الدولة في نظر مواطنيها فالدول تُقاس بعدالة مؤسساتها قبل أن تُقاس بحجم موازناتها والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح القانون هو الميزان الوحيد الذي تُوزن به الحقوق بعيداً عن الاستثناءات والامتيازات والتفاوت غير المبرر
وربما يبقى السؤال الذي خرجت به من ذلك الكتاب أكثر حضوراً من أي وقت مضى: هل يريد العراقيون زيادة في الرواتب فقط أم يريدون قبل ذلك عدالة يشعر بها الجميع؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال تبدأ أولى خطوات الإصلاح الحقيقي

قد يعجبك ايضا