د. ميسر الخشاب
الموصل / العراق
بدل رفو : كل قصيدة شعر اطرزها هي خريطة لروحي!!
الشعر هو بيتي الوحيد الذي لايغلق بوجه احد !!
عرفت الاديب الكبير بدل رفو طالبا دؤوبا يحمل أسئلته في أحد فصول ’مدرسة الخالدية‘ بالموصل، وعرفته فيما بعد زميلا وشابا يافعا يناقش في ابواب الادب والثقافة والترجمة، وعرفته ثالثا أديبا مهاجرا كبيرا يحمل احلام الادب الواسع في التطور والتغيير..نتحاور في الثقافة الادبية وننشر معا في المجلات والصحف العراقية وغيرهم، فكانت مثلا مجلة ’الثقافة‘ آنذاك احدى هذه المجلات الرصينة برئيس تحريرها د. صلاح خالص، اضافة الى دور جريدة الحدباء المحلية في هذا المجال.
اذكر هنا باعتزاز الشاعر بدل رفو وحضوره للعديد من النشاطات الثقافية في دور الثقافة الجماهيرية، ومنتدى الادباء الشباب/ الموصل، والذي كنت أرأسه عام 1980، مع العشرات من مثقفي وفناني الموصل الكبار والشباب المبدعين، مشاركين او مستمعين، من طلبة معهد الفنون الجميلة آنذاك، ومع شعراء مثل د. وليد الصراف، هشام عبد الكريم ، محمد مردان، عمر حماد هلال، محمد البياتي ،سيف الدين جميل، كرم الاعرجي وعدنان داود (يرحمه الله)، وكتاب قصة قصيرة، ثامر معيوف، احمد شوكت ودريد محمد رشيد وحسين رحيم ونزار عبد الستار وسالم صالح، وفنانون مثل طلال غانم وعضيد طارق وسعد نجم، وآخرون كثيرون لاتحضرني اسماؤهم من اقسام الفن التشكيلي والخط والزخرفة والمسرح. وكان الزميل بدل رفو مشروع قصيدة ساخنة في تعليقاته وبداياته الناجحة ونحن نسهر متجولين بين شارع المكتبات ( النجفي) والدواسة، او نعبر الجسرين، العتيق والجديد ( الحرية) في حوارات عن الثقافة والنشر..
والآن امامنا مجموعة كبيرة من ’نصوص شعرية‘لهذا الرحالة والشاعر (العراقي) بدل رفو المزوري التي كتبها خلال اكثر من ثلاثين سنة، وهو يتنقل بين العديد من الدول الاوربية والعربية، المغرب بالذات. يتنقل الشاعر هنا وهناك مهاجرا كالطيور المهاجرة، وساعيا الى ايجاد مستقر مكاني وفكري له، ومعبرا عن آلامه وطموحه. نجد في نصوصه بوضوح عدة مواضيع يطرحها الشاعر في عصر ازدحم بالصراعات والتناقضات التي تحاصر الانسان بشكل مباشر وغير مباشر، أهمها: الغربة، الحنين وقدسية الوطن، الذكريات، تحدي الكذب والزيف، وكذلك البحث والتوق الى الحرية.
من الصعوبة اقول أن لايحس قارىء هذه النصوص بصوت الشاعر وصوت الارض والطبيعة القادم من اعماق بلاده، العراق، من سهول وجبال كوردستان بالذات حيث يحسّ بعمق ويصرخ عاليا ’اوقفوا مدّ الزيف والكذب، وافتحوا النوافذ لنسيم الصدق والمحبة والسلام‘، وليصرخ ويعاتب ويدين حينما يتذكر ويتألم كانسان ظامىء يبحث عن وطنه مرّة، وعن حرية الانسان الغائبة مرة اخرى
ظمآن لأمجاد واحلام الطفولة، وانا اتنقل من مكان الى آخر..
يشعر القارىء من خلال ملامح وتراكيب نصوصه، ان الشاعر رسام، ريشته الحروف في تصويره وتعامله مع نصه الشعري في اللغة والرؤية، اوهو المتصوف المتعبد في محاريب جبال ومدن كوردستان وشفشاون ( المغربية) لجمالهما الساحر، وفي الوقت نفسه، هو الغريب الذي طالما يحنّ ويقاسي في عشقه لهم. فالشاعر بدل رفو إذن فنان في صدق تعبيره، وقوة عاطفته التواقة للرفض والتحدي:
شاعرعاشق ..
يتكىء على عكازة احزانه
يرتشف من اشجان روحه،
قصائد من عباب الغربة ( قصيدة شاعر)
في الواقع، ان كل مفردة من نصوصه الشعرية تحمل نبض الحياة المعبر عن المحبة والحياة، ومن يستحق تقديس الحب غير الوطن، ذلك الملجأ الروحي المتمثل بالاستقرار؟ (انت ظمآن يارفو.. وقد اغتالوا جيادك وانت الفارس..). ان الشاعر والرحالة بدل رفو البعيد عن الشعر الكلاسيكي التقليدي ( الوزن والقافية) يعكس في اسلوبه عبر تراكيب جمله الشعرية معادلا لحزنه وحماسه وصولا الى ميناء الاستقرار كملاّح يدرك انه قد لايستقر يوما ما هنا او هناك. كما نرى ان بناء جمله الشعري مشحون بالانين والعشق الروحي، كمتصوف يسعى الى التوحد بالماضي عبر عدة امكنة في كوردستان وشفشاون والموصل. إنه شاعر يصطاد كالنسر صوره اليومية بنجاح ويمزجها بالصور الذهنية في تعبير عاطفي متاجج. ولا عجب ان قلت انه يحترق بنار محبته للوطن والذكريات اثناء ولادة نصه الشعري.

وهاهي الغربة تؤرق وتغير شكل حياتنا:
(البيت غربة. والغربة زلزال
والزلزال حكاية شعب،
الزلزال..حرائق في قلب الانسان
….. ……..
زلزال ابكتنا اثقاله في المنافي
يغير لون الحياة..وفي تخوم امنياتنا وشمسنا،
تمضي الريح بخفة العمر،
ومن حجر الى حجر يغني الزلزال اغنية الموت
…… …..
وعلى حائط آيل للسقوط
ظلت الطنبورة معلقة بحزن
وقد ثقبها الليل برعب…!!
(الزلزال والكورد. حائط وطنبورة)
: وبقدر مانرى عذابه ومعاناته مع الغربة، لكنه يحاول احيانا ان يصفها ويشخص تاثيرها في نفسه بوجه ايجابي فني
غربتي ..جواد اصيل لفارس
يردّد انشودة النصر رغم رماح الغدر..
غربتي ثنائية الحرية والبحث عن حقيقة الانسان
وصخب البحر ومواويل الجبليين
في امبراطورية العبرات
: او كما يقول عنها
” الغربة تفاحة عطرها ثمرة يومي
.. وخطوي صوب التاريخ
ولعنة لمشجب الرصاص ضد السلام
(الغربة ثنائية بعطر الحرية وصخب البحر)
: ونلاحظ ايضا كيف تتجذرالغربة في قلبه حين يقول
غربة نقشت على قلبي طريق الثلج
بكل وضوح ان هذا الشاعر والرحالة عاشق لايتعب وهو ينتظر ان تحتضنه شجرة الكستناء والبتولا مثلما عبّر عن ذلك في قصيدته ’الشرفة‘ باسلوب ينبض قوة بصدق المشاعر والمباشرة ليذكّرني بكبار الشعراء في العالم..البياتي، ونيرودا، وايتس، والكثير من الشعراء السوفيت. ولا غرابة أن تشكل اسماء العديد من الاشخاص والمدن والقرى والرموز التاريخية في نصوصه رسما جليّا لعمق الالتصاق بحبها ودلالاتها، حينما يوظفها بشكل مثير جدا كما في اسماء ( شفشاون- الموصل – بروشكي – باشطابيا- الشيخان – عبد الكريم الطبال – وعبد البرجس- والطنبورة..الخ )
ويشكل اسم مدينة شفشاون على سبيل المثال رمزاً أعمق من المكان الجغرافي ، ليعكس معادلا لذكرياته في مدينة الموصل بأزقتها العتيقة، موطن فتوته وصباه. وشفشاون هي كما يعبر عنها ’اسطورة تعيش معه فوق خرائط العالم‘، والتي طالما جعلت خيمته قصرا او قلعة فوق جبال المغرب:
شفشاون. ثغرها عطرٌ من وهج مروج الخير
. مدينة ’الطبال‘، وصرخته في وجه العبث
…. …….. ……
شفشاون
اسطورة تشرب من ينابيع الخلود
لتبقى الحضارة والتاريخ والانسان وغرناطة العصر
شفشاون حين احببتك
ازدهرت قصائدي واكتست بلاد روحي بلون الحياة
واينع نرجس كردستاني،
.. ان زرقتك تنساب في اشعاري
(شفشاون اسطورة جبل وزرقة)

لقد كان الصراع الواضح في نصوصه بين الانسان وقدره يتمثل جليا بصور الاغتراب والضياع، ومع ذلك، لم يكن يحس الشاعر كما يبدو انه خاسر، لانه لم يعرف اليأس، وانما وقف امام باب الله في إرادته تعبيرا عن العدالة والجمال وكرامة الانسان:
حين اتيتك غدوت قارةً
شفشاون..عمر وخريطة سفر وامجاد
والصورة الواضحة الاخرى هو نظرته للطبيعة التي لاتقل عن نظرة شاعر المهجر جبران خليل جبران في قيمتها الروحية، لانها اكثر من مشاهد خارجية، فكلاهما ينظر للطبيعة كمنبع للنقاء وجمال الروح في الانسان ضد الكذب والشر وضد قيد العولمة . يقول مثلا في حنينه للوطن:
اسال عشاق الشمس والقرويين
والجبليين القدامى عن تغريدة الارض
وطعنات بلادك الاولى ( الغربة وطن الحرية ىالكبرياء)
والشاعر بدل رفو يتمثّل في احدى قصائده، صورة ابي ذر الغفاري الصحابي في وقوفه ضد الظلم الاجتماعي واستغلال الفقراء. ولطالما عبّر بحماس عن المظلومين، ابن ’المشاهدة‘ الكادحة وهو يعبر عن ذوبانه بحالة الغربة ملخصا كل حياته:
” شاعر عاش وحيدا، وسيظل وحيدا”
اذا استعرضنا أخيراً نصوص الشاعر بدل رفو واحدة واحدة، سنحسّ بذلك التجانس في اسلوبه الحسي ومواضيعه الانسانية، فالاول اغلبه فيض استعاري وكنائي مثير، والثاني يعبر عن فكرتين مهمتين هما ’الاغتراب والذكريات‘. الاولى تعكس حياته الحالية المليئة بالصراع مع الواقع ، والثانية، الذكريات، وتعكس حنينه وشوقه للماضي الجميل بكل مفرداته القاسية النبيلة. والشاعر رفو مثلا لايغادر حيّه القديم في العديد من صور نصوصه حيث تسكنه وتستفزه، كما في تجواله في شوارع مدينة الموصل..شارعا،اصدقاء، مكتبة، مقهى، حديقة واسواقا، وبين شفشاون العروس بسحر تراثها، ومياهها، وبساطة اهلها والتي تهرب منه كل يوم. كلاهما تتجاذبانه وتسحبانه بقوة وهو يعبّرليلا ونهارا عن احساسه بهما وبرؤيته في صراع ليس خفيا ضد الحروب والنفاق. وهو بالتالي يتنقل بينهما بهدوء ليظل بطلا وحيدا لايملك شيئا في هذه الحياة سوى ان يبقى ’وحيدا غريبا‘ سلاحه الشعر والحب حتى لو بعد اعوام طويلة.