نيجيرفان بارزاني… فن البقاء وسط العواصف الإقليمية

عطا شەمێراني

في منطقةٍ لا تهدأ فيها الأزمات، حيث تتغير التحالفات بسرعة، وتتشابك المصالح الإقليمية والدولية، تصبح الحكمة السياسية أهم من الشعارات، ويصبح الحفاظ على الاستقرار مسؤولية تتطلب رؤية بعيدة المدى. وفي الشرق الأوسط، لا تُقاس كفاءة القادة بعدد الخصومات التي يخوضونها، بل بقدرتهم على حماية أوطانهم من ارتدادات الصراعات التي لا تنتهي.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة السياسة التي ينتهجها رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، سواء في علاقاته الخارجية أو في إدارته للشأن الداخلي. فهي، في نظر مؤيديه، سياسة تقوم على مبدأ واضح: حماية استقرار الإقليم، وإبعاده عن سياسة المحاور التي أنهكت المنطقة لعقود.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الواقعة على تخوم الإمبراطوريات لا تعيش بالقوة وحدها، بل بالحكمة أيضًا. فمنذ آلاف السنين، كانت بلاد الرافدين والجبال الكوردستانية ممرًا للجيوش وساحةً لتنافس القوى الكبرى، من الفرس والرومان، إلى العثمانيين والصفويين، وصولًا إلى صراعات الشرق الأوسط الحديثة. وفي مثل هذه الجغرافيا، لا يكون النجاح في الانحياز إلى محور ضد آخر، بل في بناء التوازنات، والحفاظ على قنوات التواصل مع الجميع، حتى لا تتحول الأرض إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

لذلك، لا تبدو كثرة تحركات نيجيرفان بارزاني بين طهران وبغداد وأنقرة وأبوظبي ودبي والعواصم الأوروبية مجرد نشاط دبلوماسي اعتيادي، بل تعكس، بحسب مؤيديه، رؤية سياسية تعتبر أن أفضل وسيلة لحماية كوردستان هي أن تبقى حاضرة في جميع العواصم، وأن تتحدث مع الجميع، دون أن تصبح جزءًا من صراع أي طرف.

فإقليم كوردستان يقع في قلب منطقة معقدة سياسيًا وأمنيًا، ويتأثر بما يجري في العراق، وبالعلاقات بين إيران وتركيا، وبالتحولات الإقليمية والدولية. لذلك فإن أي قيادة مسؤولة لا تستطيع الاكتفاء بإدارة الملفات الداخلية، بل عليها أن تبني شبكة واسعة من العلاقات السياسية والدبلوماسية، بما يحفظ مصالح الإقليم ويمنع انتقال أزمات الجوار إلى داخله.

ومن هنا تأتي أهمية سياسة الحوار مع الجميع. فالحديث مع بغداد لا يعني القطيعة مع أنقرة، والعلاقة مع تركيا لا تعني العداء لإيران، والانفتاح على الدول العربية لا يتناقض مع العلاقات مع أوروبا أو المجتمع الدولي. إنها سياسة التوازن، وهي السياسة التي تمنح إقليم كوردستان مساحة للحركة، وتحافظ على استقلالية قراره، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة.

غير أن هذه الفلسفة لا تقتصر على السياسة الخارجية، بل تمتد أيضًا إلى إدارة الشأن الداخلي. فمنذ توليه رئاسة الإقليم، حرص نيجيرفان بارزاني، وفق رؤية مؤيديه، على أن يتعامل بوصفه رئيسًا لإقليم كوردستان كله، لا نائبًا لرئيس حزب أو ممثلًا لتنظيم سياسي. فالرئاسة، في مفهوم الدولة، مسؤولية دستورية تتجاوز الانتماءات الحزبية، وتفرض التعامل مع جميع المواطنين والقوى السياسية على قدم المساواة.

ولهذا، ظل يدعو إلى الحوار بين الأحزاب، ويشجع على التقارب، ويسعى إلى تقريب وجهات النظر كلما برزت خلافات سياسية. فاستقرار كوردستان، في هذا المنظور، لا يتحقق بانتصار حزب على آخر، وإنما ببناء الثقة، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ ثقافة الشراكة السياسية.

إن المجتمع الكوردستاني مجتمع تعددي بطبيعته، ووجود الاختلافات السياسية أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته. فالدول القوية ليست تلك التي تخلو من التباينات، بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على تحويل الاختلاف إلى حوار، والتنافس إلى شراكة، والأزمة إلى فرصة لتعزيز الاستقرار.

ومن هنا، ينظر كثيرون إلى نيجيرفان بارزاني بوصفه شخصية تميل إلى التهدئة، وتؤمن بأن الحوار ليس علامة ضعف، بل أحد أهم أدوات القوة السياسية. فكلما ازدادت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى قيادات تمتلك القدرة على جمع المختلفين، لا تعميق الانقسامات بينهم.

ولعل أبرز ما يميز هذا النهج هو الفصل بين الانتماء الحزبي والمسؤولية الوطنية. فليس من السهل أن ينتقل السياسي من موقع القيادة الحزبية إلى موقع الرئاسة الجامعة، لأن المنصب الدستوري يفرض عليه أن يكون رئيسًا للجميع، وأن ينظر إلى المصلحة العامة باعتبارها البوصلة التي توجه قراراته.

كما أن استقرار كوردستان لم يعد قضية تخص الإقليم وحده، بل أصبح عنصرًا مهمًا في استقرار العراق والمنطقة بأسرها. فالإقليم يستقطب الاستثمارات، ويستقبل الوفود السياسية والاقتصادية، ويؤدي أدوارًا مهمة في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف. وكل ذلك يحتاج إلى بيئة مستقرة، وخطاب سياسي هادئ، وعلاقات متوازنة مع الجميع.

لقد أثبتت تجارب الشرق الأوسط أن الخطابات الحادة قد تصنع ضجيجًا إعلاميًا، لكنها لا تصنع دولة، وأن المواقف الانفعالية قد تكسب تصفيق اللحظة، لكنها كثيرًا ما تكلف الشعوب سنوات من الأزمات. أما الحكمة السياسية، فهي القدرة على تجنيب الوطن ما يستطيع تجنبه من الصراعات، دون التفريط بالثوابت أو المصالح.

في السياسة، ليس أعظم القادة من يكسب جميع المعارك، بل من يمنع وقوعها عندما يكون ثمنها مستقبل شعبه. فالحروب تصنعها لحظات الانفعال، أما الاستقرار فيصنعه صبر الدولة وحكمة رجالها. وفي منطقة اعتادت أن تُدار بلغة القوة، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء قوة من نوع آخر؛ قوة الحوار، وقوة التوازن، وقوة القدرة على أن يكون رئيس الإقليم رئيسًا لجميع مواطنيه، لا ممثلًا لحزب أو طرف.

وهذه، في نظر مؤيدي نيجيرفان بارزاني، هي الفلسفة التي تحكم تجربته السياسية؛ فلسفة ترى أن حماية كوردستان تبدأ من وحدتها الداخلية، وأن السلام في الداخل هو أساس الحضور القوي في الخارج، وأن أفضل انتصار هو أن يبقى الإقليم بعيدًا عن حرائق المنطقة، ثابتًا في استقراره، ومنفتحًا على الجميع، ومتمسكًا بمصلحة شعبه فوق كل اعتبار.

قد يعجبك ايضا