د. أحمد العامري
الأقلام الحرة المعتدلة دائما تراها تسلط الضوء على أكثر المواضيع حساسية بالنسبة للشارع ومن باب الفائدة وبحكم الجهل بمفهوم العلمانية من قبل الكثير في المجتمع ارتأيت ان اطلق عنان القلم لتوضيح المعنى والمفهوم الحقيقي للعلمانية وما تعنيه وتمثله للشعوب فالعلمانية هي ليست ديناً جديداً يُحارب ديناً قديماً؟ وليست كفراً كما يصورها البعض في سوق المزايدات ؟ العلمانية ببساطة هي ميزان يوضع بين قداسة الدين وقداسة الدولة حتى لا يطغى أحدهما على الآخر فيذهب الإنسان ضحية ذلك. إن جوهر العلمانية هو الفصل بين الدين والسياسة لا الفصل بين الدين والحياة وهي دعوة ايضاً أن نحكم الناس بالقانون الذي نراه ونلمسه ونحاسبه لا بالاجتهادات التي نختلف عليها. وفي المفهوم العلماني تكون الدولة خيمة كبيرة تتسع لكل أبنائها سواء كانوا مسلمين ومسيحيين سنيهم وشيعيهم ملحدهم ومؤمنهم لا تسألهم عن صلاتهم عند باب الرزق ولا عن مذهبهم عند باب المستشفى.
العلمانية هي ثقافة الاحتواء والتعايش السلمي على أساس الإنسانية أولاً وهي أن نُقدّم العقل على النقل في إدارة المصانع والمدارس والمستشفيات لأن الطائرة لا تطير بالدعاء وحده على قاعدة اعقلها وتوكل. ولربما هناك من يسأل هل نجحت العلمانية في مكان من المنطقة والعالم ؟ نعم لقد تفوقت العلمانية وأصبحت ثقافة وتجارة وصناعة وتكنولوجيا فضلا عن احترام الإنسان بعيداً عن لونه وشكله ودينه ومذهبه. فهناك دول أوربية وتركيا وتونس وماتشهده من تقدم وتطور
انظر إلى “الهند” دولة فيها أكثر من مليار ونصف إنسان وفيها 8 ديانات كبرى ومئات المذاهب واللغات لولا أن دستورها علماني يجعل القانون فوق الجميع لكانت الهند اليوم 100 دولة متحاربة لكنها بميزان العلمانية صارت قوة اقتصادية وعلمية وتعايش فيها الهندوسي مع المسلم والمسيحي والسيخي تحت سقف قانون واحد لم تمنعهم العلمانية من عبادة آلهتهم ولكنها منعتهم من أن يحرقوا بعضهم باسم الآلهة.
فلماذا نقف بالضد منها؟ هل لأننا نخاف على الدين؟ والدين الذي لا يحميه أتباعه بأخلاقهم لن تحميه سلطة. أم نخاف على المجتمع؟ والمجتمع الذي يحكمه قانون واحد عادل للجميع هو أقل دموية من مجتمع تحكمه مذهبية متطرفة وعرقية مقيتة وصراعات تحمل عشرات العناوين كما تحمل طابع الفرقة والتكفير الخ وأعود للعلمانية فهي ليست إلحاداً فالملحد موجود في الدولة الدينية والدولة العلمانية على حد سواء ولكن العلمانية تمنع أن يُستخدم الدين كسلاح سياسي وتمنع أن يُستخدم السلاح السياسي باسم الدين وكانت العلمانية لعقود ولربما للآن هي الخيمة التي يلجأ لها كل مشرد ومظلوم حين يضيق به أهل مذهبه ودينه فتبقى العلمانية هي الضمانة أن لا يتحول الاختلاف في الرأي إلى تكفير وأن لا يتحول الاختلاف في العقيدة إلى إقصاء فألى من يبحث عن مجتمع تسوده العدالة… ابحث عن ميزان عادل ينصف الجميع والعلمانية بتعريفها العلمي والفلسفي هي أقرب ما يكون إلى ذلك الميزان. ميزان لا يسأل عن اسمك قبل أن يزن حقك.فالاوطان لاتبنى على الهوية بل تبنى على المواطنة. فالأوطان لا تسقط بكثرة الأديان ولكنها تسقط بغياب العدل وانتشار الجهل الفكري ومن هنا اتمنى ان نكون قد وضحنا مفهوم العلمانية وفق المعايير الوطنية