الأستاذ علي الخاقاني… مؤرخ الأدباء وحافظ الذاكرة الثقافية للعراق

محمد علي محيي الدين

يُعد الأستاذ علي بن عبد علي بن علي بن موسى آل عزوز الفتلاوي، المعروف بعلي الخاقاني، من أبرز أعلام الحركة الأدبية والثقافية في العراق خلال القرن الرابع عشر الهجري، وأحد أكثر الباحثين إنتاجاً في ميدان التراجم والتوثيق الأدبي. فقد استطاع أن يحول جهده الفردي إلى مشروع ثقافي واسع، غايته حفظ الذاكرة الأدبية العراقية، وجمع أخبار شعرائها وكتابها ومخطوطاتها، حتى غدا اسمه مقترناً بالموسوعات الأدبية الكبرى، وأصبح مرجعاً لا غنى عنه للباحثين في تاريخ الأدب العراقي الحديث.
وُلد في النجف الأشرف في الخامس عشر من شعبان سنة 1330هـ، ونشأ في المدينة التي كانت تمثل آنذاك منارةً للعلم والأدب، فوجد في أجوائها ما غذّى شغفه المبكر بالقراءة والبحث. تلقى مبادئ العلوم الأدبية والشرعية على عدد من علماء النجف، فدرس على الشيخ محسن الجصاني، والشيخ ناجي خميس، والشيخ محمد طاهر الخاقاني، ثم واصل دراسة الأصول على الشيخ عباس المظفر، والسيد حسن الحكيم، والشيخ محمد جواد الجزائري، كما أخذ الفقه عن السيد حمود الحلي والسيد محمد علي الصائغ، وحضر دروس البحث الخارج عند الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، أحد كبار علماء عصره. وقد أضاف إلى هذا التكوين العلمي اتصالاً بسلسلة الرواية والإجازات، إذ نال إجازةً علمية من العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني، وهو ما يعكس مكانته بين أهل العلم، ويؤكد صلته الوثيقة بكبار المحققين في زمانه.
ومع أن تكوينه العلمي كان حوزوياً في أساسه، فإن ميوله اتجهت مبكراً نحو الصحافة والأدب والتاريخ الثقافي، فرأى في الكلمة المطبوعة وسيلةً لحفظ التراث وإحياء الحركة الفكرية. لذلك انخرط في العمل الصحفي، وأصدر سنة 1365هـ مجلة «البيان»، التي سرعان ما احتلت مكانة مرموقة بين المجلات الثقافية العراقية، بما نشرته من بحوث أدبية ودراسات تاريخية ومقالات نقدية. ولم تكن المجلة سوى جانب من نشاطه الواسع، فقد ظل يكتب باستمرار في الصحف والمجلات العراقية والعربية، مقدماً مقالات مطولة امتازت بالاستقصاء، وغزارة المعلومات، وسعة الاطلاع.
وكان حضوره في الحياة الثقافية النجفية فاعلاً ومؤثراً؛ إذ شارك في الأندية الأدبية، وأسهم في ندواتها ومناسباتها العامة والخاصة، فكان واحداً من الوجوه التي صنعت الحراك الثقافي في النجف خلال عقود طويلة. وقد اقترن اسمه بالمؤرخ الجامع، لأنه لم يكن يكتفي بتسجيل الأخبار، بل كان يجمع الوثائق، ويقارن الروايات، ويبحث عن المخطوطات، ويلاحق النصوص المبعثرة، حتى تحولت أعماله إلى خزائن حقيقية للمعلومات، حفظت أسماءً وآثاراً ربما كانت ستغيب لولا جهوده.
ولم يقتصر نشاطه على العراق، بل قام برحلات علمية إلى عدد من البلدان العربية والإسلامية، مدفوعاً بشغفه بالكتاب والمخطوط، فزار مكتباتها، واطلع على نفائسها، وسجل ما رآه فيها من ذخائر علمية. وكانت هذه الرحلات جزءاً من مشروعه في استقصاء التراث العراقي والعربي، إذ كان يؤمن بأن الباحث لا يكتفي بما هو متاح في بيئته، وإنما يسعى إلى تتبع مصادر المعرفة حيثما وجدت.
وفي مرحلة لاحقة انتقل إلى بغداد، واتخذها مستقراً دائماً، وهناك أسس مكتبته الخاصة، التي لم تكن مجرد مكان لحفظ الكتب، بل تحولت إلى منتدى ثقافي يؤمه الأدباء والكتاب والباحثون، يتبادلون فيه الرأي، ويجدون بين رفوفه ما يحتاجون إليه من مصادر نادرة. وقد أدى هذا الدور الثقافي إلى توسيع دائرة تأثيره، فلم يعد مجرد مؤلف، بل أصبح مرجعاً وموجهاً لجيل من الدارسين والمهتمين بتاريخ الأدب العراقي.
ومن الجدير بالذكر أن نسبته إلى آل الخاقاني جاءت من جهة أخواله، وهي النسبة التي غلبت على اسمه حتى اشتهر بها في الأوساط الأدبية، وأصبحت ملازمة له في جميع مؤلفاته ومراسلاته.
أما نتاجه العلمي، فيُعد من أغزر ما عرفه الأدب العراقي الحديث في مجال التراجم والتوثيق. فقد ألّف كتاب «تاريخ الصحافة في النجف» الذي أرّخ فيه لنشأة الصحافة النجفية وتطورها، كما كتب عن الشاعر محمد صالح بحر العلوم في كتاب «شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم»، وأصدر موسوعات واسعة عن شعراء المدن العراقية، منها «شعراء بغداد» في جزأين، و«شعراء الحلة» في خمسة أجزاء، وأشهر أعماله على الإطلاق موسوعة «شعراء الغري» في اثني عشر جزءاً، التي تُعد من أهم المراجع في تراجم أدباء النجف وشعرائها.
كما وسع دائرة اهتمامه لتشمل الأدب الشعبي، فوضع موسوعة «فنون الأدب الشعبي» في اثني عشر جزءاً، وجمع «منتخبات الأبوذيات الحسينية الكبرى» و«منتخبات الأبوذيات الكبرى في الغزل والنسيب»، وألّف كتاب «شاعرات من ثورة العشرين»، مسلطاً الضوء على الدور الأدبي للمرأة العراقية في تلك المرحلة. وامتد اهتمامه إلى المخطوطات، فأصدر «مخطوطات المكتبة العباسية في البصرة» في جزأين، كما حقق عدداً من أمهات الكتب، منها «أخبار الحمقى والمغفلين» لابن الجوزي، و«استقصاء النظر» للعلامة الحلي، ودواوين صالح التميمي، والسيد حيدر الحلي، والشيخ محمد رضا النحوي، وكتاب «مشاهدات في الثورة العراقية» لمحمد علي كمال الدين، و«نهاية الأرب» للقلقشندي، في جهود تعكس اهتمامه بإحياء التراث ونشر النصوص المحققة.
أما مخطوطاته، فتكشف عن مشروع موسوعي لم يكتمل نشره، ومن أبرزها «أبطال القرون الهجرية» في ثلاثة أجزاء، و«دليل الآثار المخطوطة في العراق» في أربعة أجزاء، و«وفيات الرجال» في أربعة عشر جزءاً، و«الأدب المنسي في تراجم شعراء العراق» في ثلاثة أجزاء، إضافة إلى كتاب «شعراء الأسرة المالكة». وتدل هذه الأعمال على أن اهتمامه لم يكن موجهاً إلى شخصية أو عصر بعينه، بل إلى رسم صورة شاملة للحياة الأدبية والفكرية في العراق.
وقد تميز منهجه بالجمع بين التحقيق والتوثيق، فكان شديد الحرص على ذكر المصادر، ومقارنة الروايات، واستدراك ما أغفلته الكتب السابقة، وهو ما منح مؤلفاته قيمة مرجعية بقيت حاضرة في الدراسات الأكاديمية والبحوث الأدبية. ولم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان ناقداً ومحللاً، يحاول أن يربط بين سيرة الأديب وظروف عصره، وأن يفسر الظواهر الأدبية في سياقها التاريخي والثقافي.
وفي سنة 1399هـ توفي الأستاذ علي الخاقاني في بغداد، بعد حياة حافلة بالبحث والتأليف وخدمة التراث، ونُقل جثمانه إلى النجف الأشرف، حيث ووري الثرى في المدينة التي شهدت مولده، ومنها انطلقت رحلته العلمية الطويلة.
وقد حفظت سيرته كتب التراجم والفهارس، فجاءت خاتمة موسوعته «شعراء الغري» شاهدة على مشروعه الثقافي الكبير، كما ذكرت «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» جانباً من مؤلفاته (26/35)، وأثبت «معجم المؤلفين» (2/418) آثاره العلمية، وأشار إليه كتاب «أدباء المؤتمر» (ص182) بوصفه واحداً من كبار أدباء العراق. وتجمع هذه المصادر على أن علي الخاقاني لم يكن مجرد مؤرخ للأدب، بل كان حافظاً لذاكرته، ورجلاً نذر حياته لإنقاذ التراث العراقي من الضياع، فاستحق أن يحتل مكانة رفيعة بين أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين.

قد يعجبك ايضا