نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس كل الشعراء الذين غادروا الحياة ماتوا، فبعضهم ظل حياً في ذاكرة الوطن، لأن قصيدته تحولت إلى شهادة، وسيرته أصبحت جزءاً من التاريخ الثقافي والإنساني. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشاعر الشهيد (خالد محمود أحمد الأمين)، أحد الأصوات الشعرية التي أطفأها العنف السياسي في بداياتها، لكنها بقيت تتردد في الذاكرة العراقية بوصفها صوتاً للحرية والجمال والإنسان.
ولد خالد الأمين عام 1945 في مدينة الناصرية، المدينة التي كانت وما تزال من أهم الحواضن الثقافية في العراق، والتي أنجبت شعراء ومفكرين وفنانين تركوا بصمتهم في الثقافة العربية. وفي أجواء تلك المدينة تشكل وعيه الفكري والجمالي، فجمع بين الثقافة الواسعة، والحس الشعري المرهف، والانحياز المبكر إلى قضايا الإنسان والوطن.

كان خالد الأمين ينتمي إلى الجيل الستيني الذي حمل مشروعاً ثقافياً مختلفاً، جيل لم يكن يرى الأدب مجرد ترف لغوي، بل رسالة أخلاقية وإنسانية. وقد انتمى سياسياً إلى تنظيم (القيادة المركزية) المنشق عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الذي خاض تجربة الكفاح المسلح في أهوار الجنوب ضد سلطة البعث في نهاية ستينيات القرن الماضي، وهي تجربة انتهت بالفشل، لكنها تركت آثاراً عميقة في تاريخ الحركة السياسية العراقية.
بعد انهيار تلك التجربة بدأت حملة الملاحقات الواسعة، فاعتقل خالد الأمين في الناصرية، ثم نقل إلى معتقل قصر النهاية، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة العراقية بأبشع صنوف التعذيب والتنكيل. ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخباره، ولم يعثر على جثمانه حتى الآن، لتبقى قصته واحدة من أكثر القصص إيلاماً في سجل المفقودين العراقيين.
لقد رحل الجسد، لكن بقي السؤال معلقاً: كم شاعراً خسره العراق قبل أن يكتمل مشروعه الإبداعي؟ وكم قصيدة دفنت مع أصحابها في أقبية السجون؟
تجمع أغلب الشهادات على أن خالد الأمين استشهد تحت التعذيب الوحشي، وهو في ريعان شبابه، بعد أن تعرض لأقسى أنواع التعذيب على أيدي جلادي النظام. ولم يكن اغتياله استهدافاً لشخصه فقط، بل كان اغتيالاً لمشروع ثقافي كامل، ولجيل حلم بوطن يتسع للجميع.
ومع ذلك، فإن ما بقي من شعره يكشف عن موهبة استثنائية لم تتح لها فرصة الاكتمال. فقد كان من أوائل شعراء قصيدة النثر الحديثة في العراق، وامتلك لغة شعرية مختلفة، تجمع بين الحس الفلسفي، والصورة المركبة، والهم الإنساني العميق. ولم يكن شعره خطاباً سياسياً مباشراً، بل كان شعراً يبحث عن الإنسان وسط الخراب، وعن الجمال وسط العنف، وعن الأمل وسط الظلام.
لقد وصفه أصدقاؤه بأنه كان مثقفاً واسع الاطلاع، عاشقاً للشعر الفرنسي الحديث، متأثراً برامبو، وأراغون، وسان جون بيرس، وأندريه بريتون، وغيرهم من رواد الحداثة الشعرية. وكان يرى أن الشعر لا يعيش داخل الأيديولوجيا، بل داخل الحرية، ولهذا جاءت قصيدته متحررة من القوالب التقليدية، ومنفتحة على التجريب والابتكار.
ومن الشواهد المهمة على مكانته الفكرية، المقدمة الشعرية الرفيعة التي كتبها لكتاب (رصيف سوق الأزهار)، الذي ضم مختارات من الشعر الفرنسي الحديث بترجمة الشاعر أحمد الباقري. وقد أجمع كثير من النقاد على أن تلك المقدمة كانت نصاً أدبياً قائماً بذاته، يكشف عن ثقافة واسعة ورؤية نقدية ناضجة، حتى قيل إن جمال بعض مقاطعها يضاهي جمال النصوص التي قدم لها.
أما ديوانه (لبعض السفر أحتاجك)، الذي جمع بعد أكثر من عشرين عاماً من البحث والتقصي، فإنه يمثل انتصاراً للذاكرة على محاولات النسيان، وإعادة الاعتبار لشاعر حاول الاستبداد محو أثره، لكنه فشل.
إن قراءة قصائد خالد الأمين اليوم تكشف أننا أمام شاعر لم يكن يكتب للحظة سياسية عابرة، وإنما كان يكتب للإنسان. ولذلك بقي شعره صالحاً للقراءة بعد مرور عقود على استشهاده، لأنه يخاطب الأسئلة الكبرى: الحرية، والخوف، والموت، والمنفى، والكرامة، والبحث الدائم عن معنى الحياة.
لقد خسر العراق برحيل خالد الأمين شاعراً واعداً كان يمكن أن يحتل مكانة بارزة في حركة الشعر العربي الحديث، لو لم تقطع حياته يد الاستبداد. لكن خسارة الوطن لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما كان قادراً على تقديمه لو امتد به العمر.
ومن الوفاء للثقافة العراقية أن يعاد نشر نتاجه، وأن تُجمع كتاباته المتفرقة، وأن تدرس تجربته بوصفها جزءاً من تاريخ الحداثة الشعرية في العراق، لا بوصفها مجرد سيرة شهيد سياسي. فالشعر الذي تركه، وإن كان قليلاً، يحمل من النضج والجدة ما يجعله جديراً بالدراسة والاحتفاء.
كما أن استعادة سيرة خالد الأمين ليست استذكاراً للماضي فحسب، بل هي دفاع عن حق الثقافة في الحياة، وعن حق المبدعين في أن يكتبوا دون خوف، وأن يعيشوا دون أن يكون ثمن الكلمة هو الموت.
سلام على خالد الأمين… الشاعر الذي حمل القصيدة بصدق، وحمل الوطن في قلبه، ودفع حياته ثمنًا لموقفه. وسلام على كل المبدعين الذين غيبتهم السجون والمعتقلات، وبقيت كلماتهم تضيء دروب الأجيال.
فالأوطان لا تبنى بالسلطة وحدها، بل تبنى أيضاً بذاكرة تحفظ أسماء مبدعيها، وتنصف من ظلمهم التاريخ، وتؤمن بأن الكلمة الحرة، مهما طال الزمن، تبقى أقوى من السجن، وأبقى من الجلاد، وأخلد من الطغيان.
قصيدة خالد الأمين بعنوان (الغرف) 1970م، نشرها الاعلامي ناظم السعود نقلا عن ارشيف الفنان المسرحي الراحل عزيز عبد الصاحب.
في ليلة قبل كل الليالي
حيث الطيور فيها تجلب من النسيان
عبرت نسمة مقتدرة انحراف الكراسي
يا غرفتي بعدها ثأروا بالممرضة
كسروا البحيرة على المصباح
مهرة السجن، قلة النافذة.. رتبتُ ذهناً
صار الاستحواذ في اللجوء هوى
هذا لأجل الحب كله..
لأجل ضوء كثير الدماء، ولغيمةٍ في الفؤاد توقفت
كانت عثرة في الوردة
وحتى تكشف حيلة البادىء أولاً،
أنا اتممت شتائي كي أفديك،
لكنما الرضوان هذا أظلمَّ،
وحصار الاضافة أُهمل في الخطر
ظلت منطقة الفؤاد خالية
العدالة أن تأتي،
فهل يحاول إصبعاً وحيداً ان يؤشر ضد الهجمة؟
وهل خارج التنفس توجد بقعة لأثنين؟
كنا نجسُّ موضع السماء لاننا فقدنا المقدمة:
ـ “جميع البنات، صانع القلب.. قبة المنضدة
او الشط يعبر الفضة”.
نسيان زمان.. انت تلقين فيه بحيرة من العمر
هو مجد تبعثر في غمار الطاولة
الايام التي تنزهت فوق هذا الصدر،
مثل طلاب المدارس.. حان لها ان تسأل من عَلٍ:
الى أين يا رئيس الورد؟
فنحن لم نحفظ العمر أرضاً لاستقرار الطرق
مرة الرمل تردد في الوقت، صارت الغرف هواية
انما امتنعت.. او .. لم ألحق..
ثم انما..
ثأروا بالممرضة
فلنعكس الصرخة يا فؤادي..
يا فؤادي.. بسيطاً في ان أضاء وأهجر
انحسرت قفة السرير..
انحسرت حشوة الوجه.. وانا مثل قلعة مصدورة
وفي حداد حتى أخمص الفؤاد..
ـ “شيء.. زينة الرحم.. تأسيس الأرض او كل البعاد يأتي” ـ
ثم يأتي ملوك الجو لمراقبة الحطبة
تشجعني هذه رغبة..
بأسمها أموت.. وتصير غنمي وباء..
أذكر غرفتي.. وكيف..
لم كان الهواء صغيراً؟
لمَ الابواب في النظر مع الخوف تدرك؟
لا أنساك يا ضريح الفواكه..
وحدي بأثوابي التي كالثلج
لم ننس المياه الخاطفة.. ولا الاوراد التي تشبه الميناء
نصير خدم العنادل ونرضى..
ونضحي بالشجن والتفاسير الصحيحة
لكنما نزعوا النجمة عن لطافة المياه
وحبسوا السمكة على ضلع العروسة
الان كل مظلة تقترب..
هي وجع القلب في المنظر