جدر لكالة غطة… حين يتحول التحالف إلى عبء على كوردستان .

مناف حسن

في الاوقات المصيرية لا تقاس مواقف الأحزاب بحجم الشعارات بل بقدرتها على حماية الوطن. وكوردستان اليوم ليست في مرحلة سياسية عادية، بل في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات في وقت تتغير فيه موازين القوى في المنطقة، وتطرح خرائط جديدة، وتعاد صياغة التحالفات والمصالح.

موقع كوردستان الجغرافي، وهويتها القومية التي تعرضت لعقود طويلة لمحاولات الطمس والإنكار، جعلاها في مواجهة تحديات لا تشبه تحديات أي إقليم آخر. فهي تقع بين أربع دول لا تنظر إلى أي تقدم او تطور للقضية الكوردية بعين الرضا، رغم أن الشعب الكوردستاني تربطه علاقات اجتماعية وثقافية وإنسانية متينة مع شعوب تلك الدول. المشكلة لم تكن يوما مع الشعوب، بل مع السياسات والأنظمة التي تعاملت مع الكورد باعتبارهم تهديدا ،وعملت بكل الوسائل على إضعاف هويتهم القومية ومنع أي تجربة كوردية ناجحة.

والمفارقة المؤلمة أن الشعب الكوردي والكوردستاني كان شريكا في الدفاع عن هذه الدول، بل وساهم في مراحل مختلفة في تثبيت أركان بعضها، لكنه لم يحصد سوى الإنكار والحروب والحصار.

واليوم، بينما تستعد المنطقة لتحولات سياسية واستراتيجية كبيرة، فإن دول الجوار تراقب المشهد بدقة، وتستعد لأي تغيير قد يمنح الكورد مساحة أكبر من الحرية أو الاستقرار. وفي المقابل، ما زالت الأحزاب الكوردستانية منشغلة بصراعاتها الداخلية وكأن الزمن متوقف والجميع ينتظرهم .

في مثل هذه المرحلة، كان يفترض أن تتجه القوى السياسية نحو التهدئة، وتفعيل البرلمان، والإسراع في تشكيل الحكومة، أو العودة إلى الشعب عبر انتخابات مبكرة إذا تعذر الاتفاق.
أما تحويل الخلافات السياسية إلى معركة كسر إرادات، فهو جنون سياسي لا يتحمله الإقليم في هذه الظروف.

من هذا المنطلق جاء التحالف بين” المتسرع ” بافل طالباني “والمتذبذب”شاسوار عبد الواحد. ومن الناحية السياسية، ليس من المحرم أن تتحالف الأحزاب، ولا أحد يستطيع أن يمنع أي طرف من توقيع أي اتفاق يراه مناسبا.
لكن السؤال الحقيقي ،،هل سيكون هذا التحالف لخدمة كوردستان، أم لخدمة الحسابات الحزبية الضيقة ودول الجوار ؟
إذا كان الهدف هو الإصلاح الحقيقي، فليكن ذلك عبر المؤسسات والقانون واحترام نتائج الانتخابات، لا عبر تعطيل المؤسسات أو خلق أزمات سياسية جديدة.
أما إذا تحول هذا التحالف إلى مشروع لمواجهة بقية القوى السياسية، وإلى سياسة قائمة على الانتقام وتصفية الحسابات، فانه لن يخدم الا خصوم الإقليم، وهذا مانراه اليوم للاسف الشديد ،،وسيضعف التجربة الكوردستانية التي، رغم أخطائها ونواقصها، حققت إنجازات يعترف بها القريب والبعيد في مجالات الأمن والإعمار والاستقرار مقارنة بما يحيط بها.

إن من حق المعارضة أن تنتقد، ومن واجبها أن تراقب وتحاسب، لكن ليس من حق أي طرف أن يوقف الحراك السياسي المعمول به منذ 1992 ولحد اليوم .

لقد أثارت تصريحات رئيس حراك الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، التي استخدم فيها لغة متعصبة تجاه منتقدي الاتفاق، موجة واسعة من الانتقادات. وشبهت خطابه بالفاشي الذي يصنف كل مخالف عدواً يجب إسكات صوته وهذا التصرف الصبياني والدكتاتوري لاينسجم مع الديمقراطية التي يتاملها شعب كوردستان .
إن كوردستان اليوم ليست بحاجة إلى استعراض القوة، ولا إلى لغة التحدي والغرور، ولا إلى تحالفات هدفها كسر الخصوم. إنها بحاجة إلى رجال دولة يدركون أن الخطر الحقيقي يقف خلف الحدود، لا داخل البرلمان.

فكل خطاب يزيد الانقسام الداخلي، وكل خطوة تعطل المؤسسات، وكل مشروع يقوم على تصفية الحسابات، يصب في النهاية في مصلحة أعداء كوردستان، ويقود الإقليم نحو المجهول.

إن التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تتذكر من صرخ أكثر، بل تتذكر من حمى وطنه عندما كان الوطن في أمس الحاجة إلى العقل والحكمة.

جدر لكالة غطة…
فحين يتشاجر أبناء البيت الواحد على المقاعد، لا يحتاج العدو إلى اقتحام الدار، لأنه يجد الباب مفتوحا من الداخل ….

قد يعجبك ايضا