المنصب بين الأمانة والخدمة وخطر استغلاله للمصالح الخاصة ..

نوري جاسم ..

لا تُقاس قيمة المناصب بعلوِّ كراسيها، ولا بما تمنحه من نفوذ أو امتيازات، وإنما تُقاس بما تحمله من مسؤوليات، وما تتركه من أثر في حياة الناس. فالمنصب في جوهره ليس غايةً يسعى إليها الإنسان، بل وسيلة لخدمة المجتمع، وتحقيق العدالة، وصيانة الحقوق، والنهوض بالمؤسسات.
وحين يُنظر إلى المنصب بوصفه أمانة، يصبح صاحبه أكثر حرصًا على أداء واجباته، وأكثر التزامًا بالنزاهة والشفافية، لأن الأمانة لا تقتصر على حفظ المال العام، بل تشمل حسن اتخاذ القرار، والعدل بين الناس، وتقديم المصلحة العامة على كل مصلحة شخصية أو فئوية. غير أن الخطر الأكبر يبدأ عندما يتحول المنصب من رسالة إلى مكسب، ومن مسؤولية إلى امتياز، ومن خدمة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة. عندها يفقد المنصب قيمته الأخلاقية، وتتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتُفتح أبواب المحاباة والفساد واستغلال النفوذ، فيدفع المجتمع بأسره ثمن هذا الانحراف. وإن استغلال المنصب للمنافع الشخصية لا يضر بمؤسسة واحدة فحسب، بل ينعكس على منظومة الدولة والمجتمع، لأنه يكرس ثقافة الولاءات الضيقة على حساب الكفاءة، ويُضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويُشعر أصحاب الحقوق بأن العدالة أصبحت انتقائية. وعندما يغيب الشعور بالعدالة، يضعف الانتماء، وتتراجع روح المبادرة، ويحل الإحباط محل الأمل. وأما المسؤول الأمين، فإنه يدرك أن المنصب مؤقت، بينما السمعة الطيبة والأثر الحسن باقيان. لذلك يجعل من كل قرار فرصة لخدمة الناس، ومن كل صلاحية وسيلة للإصلاح، ويبتعد عن كل ما يثير الشبهة أو يخل بالنزاهة. فهو يعلم أن التاريخ لا يخلّد أصحاب المناصب، وإنما يخلّد أصحاب المبادئ والمواقف والإنجازات. وليس المقصود بالنزاهة الامتناع عن الفساد المالي فقط، بل تشمل الحياد في اتخاذ القرار، والابتعاد عن تضارب المصالح، وعدم استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية أو عائلية أو حزبية، والمحافظة على المال العام، واحترام القانون، وصون كرامة الإنسان. وإن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تجعل المنصب تكليفًا وأمانة، وتربط السلطة بالمسؤولية، والحقوق بالواجبات، والمحاسبة بالأداء. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما تُبنى بثقافة تعتبر المنصب خدمة عامة، لا ملكية خاصة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: إن المنصب يزول، والسلطة تنتهي، ويبقى ما قدمه الإنسان من خير أو شر شاهدًا عليه. فمن جعل منصبه بابًا لخدمة الناس، نال احترامهم ودعاءهم، ومن جعله طريقًا لتحقيق مصالحه الخاصة، فقد خسر ثقة المجتمع، ولو بقي في أعلى المناصب. فالمنصب أمانة، والخدمة رسالته، والنزاهة روحه، واستغلاله للمصالح الخاصة خيانة للمسؤولية، وإضرار بالمجتمع، وإهدار للثقة التي هي أساس قيام الدول وازدهارها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا