ألنّار أولىٰ بِكم… حين يكون المال الحرام وقودًا للهلاك

 

عرفان الداوودي

ليس الفساد مجرد مخالفة إدارية، ولا السرقة من المال العام مجرد جريمة مالية، بل هي اعتداء على حقوق أمة بأكملها، وخيانة للأمانة التي حمّلها الله للإنسان. فالمال العام ليس ملكًا لمسؤول أو حزب أو جهة، وإنما هو حق للفقراء واليتامى والأرامل والمرضى والطلاب، وهو ملك لجميع أبناء الوطن.

لقد شدد القرآن الكريم على حرمة أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 188).

وهذه الآية الكريمة تصف بدقة من يستغل النفوذ أو السلطة أو الرشوة أو التحايل للاستيلاء على المال العام أو الخاص، وتحذر من استخدام المناصب لتحقيق المكاسب غير المشروعة.

وقال سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 58).

ولا خيانة أعظم من خيانة الوطن وسرقة ثرواته، لأن آثارها تمتد إلى ملايين المواطنين، وتحرمهم من الخدمات وفرص العمل والتعليم والعلاج.

وروى النبي ﷺ أنه قال:

«كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».

فكل مال حرام، سواء جاء من رشوة، أو اختلاس، أو تزوير، أو استغلال للمنصب، أو سرقة للمال العام أو الخاص، لا يجلب لصاحبه بركة، بل يكون سببًا للهلاك في الدنيا والآخرة إن لم يتب إلى الله ويرد الحقوق إلى أهلها.

وليس الإثم مقصورًا على السارق وحده، بل يشمل كل من أعانه أو تستر عليه أو سهّل له جريمته أو تستر على فساده أو شاركه في نهب المال العام. وقد قال تعالى:

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة المائدة: 2).

فالساكت عن الفساد مع القدرة على كشفه، والمتواطئ معه، والمزوّر للحقائق، ومن يمنع محاسبة الفاسدين، جميعهم يتحملون مسؤولية أخلاقية وقانونية، كلٌّ بحسب دوره.

وقد قيل في الأمثال العربية: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، وقيل أيضًا: “كما تدين تدان”، وهي حكم تؤكد أن الظلم لا يدوم، وأن الجزاء من جنس العمل.

إن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما تقوم على النزاهة والعدل وسيادة القانون. وما من دولة ازدهرت إلا حين حاسبت الفاسد مهما علا منصبه، وما من أمة انهارت إلا حين أصبح اللص بطلًا، والخائن مسؤولًا، والمخلص مطاردًا.

إن مكافحة الفساد ليست انتقامًا من أحد، بل هي تطبيق للدستور والقانون، وحماية لحقوق المواطنين، وصيانة لمستقبل الأجيال. فكل دينار يُسرق من المال العام يعني مشروعًا لم يُنجز، ومستشفى لم يُبنَ، ومدرسة بقيت مهدمة، وعائلة حُرمت من حقها في الحياة الكريمة.

ويبقى التحذير الإلهي قائمًا لكل من اغتر بمنصبه أو ماله:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (سورة إبراهيم: 42).

فليتذكر كل من امتدت يده إلى المال الحرام، وكل من تستر على الفساد أو شارك فيه، أن المناصب تزول، والنفوذ ينتهي، والأموال تفنى، ولا يبقى إلا العمل. ومن لم يحاسبه القضاء في الدنيا، فإن عدالة السماء لا تغفل، وحساب الآخرة أشد وأبقى.

فالنار أولى بمن أكل المال الحرام، ولم يتب، ولم يرد الحقوق إلى أهلها، وأصر على ظلمه حتى لقي الله بذنوبه وأموال الناس في عنقه.

قد يعجبك ايضا