بدل رفو
النمسا
نداء إلى حكومة إقليم كوردستان:التفتوا الى مبدعيكم و ليمتزجَ رفاتُ الطيور المهاجرة بتراب الوطن
المكان: مخيم “سيلوبي” للاجئين – تركيا
الزمان: عام 1991
هناك، تحت سقف خيمةٍ ضمتنا كأوراق شجرٍ تشبثت بأغصانها في وجه الإعصار، كنا نلتقي كل يوم, ثلة من الأدباء، الفنانين، وعشاق الحرية. كنا نتقاسم كِسرة الخبز، وكسرة الأمل، وجمرة القصيدة. كان من بيننا الشاعر الكوردي الراحل صبري بوتاني والذي دفن في النرويج والفنان الصديق “لالو ره نجده ر”، والفنان الذي عشق البزق ونذر له روحه آزاد آميدي، والفنان التشكيلي “آزاد حمه رسول”، والفنان الذي فجعنا برحيله قبل أيام “نوزاد شيردل”، وأنا.. ومعنا آخرون غرسوا كوردستان في حدقات العيون ومضوا.
تلك الأيام، على ما فيها من بؤس اللجوء وقسوة الفقد، نقشت في الذاكرة تفاصيل عصية على الموت. ما زلت أستشعر دِفء ليلة الأول من آب عام 1991، حين تداعى الجميع تحت سقف الخيمة ليحتفلوا بعيد ميلادي. غنينا طويلاً.. غنينا بملء قلوبنا المخنوقة بالدمع والرجاء، ورددنا قصائد صبري بوتاني، وامتزجت أصواتنا بأغاني “لالو” و”شيردل”، وكأننا كنا نودع تلك اللحظة الدافئة قبل أن تذروَنا رياح الأقدار العاتية في منافي الأرض القاصية.
وبالفعل، تفرقت بنا السبل في جهات الأرض الأربع، فكنتُ من الأوائل الذين حزموا حقائبهم صوب النمسا، ومن رفاقنا من طوّح به العمر واللجوء صوب النروّيج، بينما آثر الفنان “لالو” العودة مبكراً ليعود الى الوطن. أما صديقنا الراحل نوزاد شيردل، فقد قذفت به أمواج المغتربات بعيداً.. بعيداً جداً إلى كندا و حيث تلتحف الروح بالصقيع، وتقتات على رصيف الوحدة البارد.
بقيت خيوط التواصل تشدنا عبر المسافات، غير أن بريد الغربة لا يحمل في طياته إلا الفواجع المباغتة. لقد صُعقت وأنا أطالع صفحة الصديق الفنان “آزاد حمه رسول”، ليتجمد الدم في عروقي أمام خبرٍ مريع: رفيق الخيمة، وشريك الأيام الضارية والجميلة، نوزاد شيردل، يودع الحياة في منافي كندا الباردة! أرسل لي آزاد صور الوداع الأخير.. فرأيته يُوارى الثرى هناك، تحت سماء غريبة لا حنان فيها، وفي أرض باردة لا تشبه سماءنا ولا طهر أرضنا.
”ما أصعب أن يعيش المبدع غريباً، وأن ينام نومته الأبدية غريباً في مدافن الصقيع، بعيداً عن دفء الأرض التي ناضل لأجلها وعزف لأوجاعها.”
ومن عمق هذه الغصة المشتعلة في الصدر، أرفع نداءً إنسانياً، يقطر وجعاً ووفاءً، إلى حكومة إقليم كوردستان العراق: التفتوا إلى مبدعيكم وأبنائكم الذين تاهت بهم دروب الغربة، وطواهم الموت في أطراف الأرض المهجورة. تكفّلوا بنقل جثامينهم، وصونوا كرامتهم في مماتهم بإعادتهم إلى أحضان الوطن. على الأقل، دعوا رحلتهم الأبدية تبدأ من حيث بدأت نبضاتهم الأولى.. فوق تراب كوردستان.
وداعاً يا صديقي نوزاد.. ارقد سالماً مطمئناً، فقد أورثتنا غصّة لا تبرح المآقي، وتركت في ذاكرة الأيام لحناً شجياً لن يموت.
