خوشناف سليمان
ليس من المبالغة القول إن الفساد كان خلال العقدين الماضيين أحد أخطر التهديدات التي واجهت العراق. فقد استنزف ثرواته. وأضعف مؤسساته. وأفقد المواطنين ثقتهم بالدولة. وحول كثيرًا من الإدارات العامة إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمصالح والمحاصصات.
لذلك. فإن الحملة التي يقودها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ضد الفساد والفاسدين تستحق التوقف عندها بجدية. بعيدًا عن المواقف المسبقة. لأنها تمثل محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها.
إن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يبدأ من دون مواجهة الفساد. فالدول لا تنهار بسبب قلة الموارد. وإنما بسبب نهبها. ولا تضعف بسبب كثرة الأزمات. بل بسبب غياب العدالة وسيادة القانون.
لقد شهد العراقيون خلال السنوات الماضية حملات عديدة لمكافحة الفساد. لكنها غالبا ما انتهت عند حدود معينة. إما بسبب التدخلات السياسية. أو بسبب سطوة مراكز النفوذ. أو بسبب غياب الإرادة اللازمة للوصول إلى الرؤوس الكبيرة التي صنعت منظومة الفساد وأدارتها.
أما اليوم. فإن نجاح الحملة الحالية سيقاس بقدرتها على الانتقال من محاسبة الأفراد إلى تفكيك النظام الذي أنتج الفساد وحماه طوال سنوات.
فلا يمكن اجتثاث الفساد ما لم تستعد الدولة هيبتها. وما لم يصبح القانون هو المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء.
ومن يريد محاربة الفساد حقًا. عليه أن يبدأ بتجفيف منابعه.
ومن أخطر هذه المنابع استمرار وجود سلطات موازية لسلطة الدولة. سواء كانت سياسية أو عشائرية أو دينية أو اقتصادية. قادرة على تعطيل القانون أو الالتفاف عليه. فعندما يتقدم النفوذ الشخصي على سلطة القضاء. وعندما تحل المشكلات خارج مؤسسات الدولة. فإن الفساد لا يصبح استثناءً. بل يتحول إلى قاعدة تحكم الحياة العامة.
إن القانون هو القوة الوحيدة القادرة على حماية الوطن والمواطن. وهو الحارس الحقيقي لكرامة الإنسان وحقوقه. ولا يمكن بناء دولة حديثة إذا كان بعض الأفراد أو الجماعات يملكون حق تجاوز القانون أو تعطيل أحكامه.
كما أن نجاح أي مشروع إصلاحي يقتضي إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
فالجيش يجب أن يبقى مؤسسة وطنية محايدة. وظيفتها الدفاع عن أرض العراق وحدوده. وحماية المواطنين والنظام الدستوري. بعيدا عن الصراعات الحزبية والتجاذبات السياسية. فالدول القوية لا تبنى بجيوش مسيسة، بل بجيوش وطنية تقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية.
ومن شروط نجاح الإصلاح أيضًا تحسين الوضع المعيشي للمواطنين. وإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية. ومكافحة الفقر والبطالة. وترسيخ ثقافة المسؤولية التي تبدأ من الذات. لأن بناء الدولة ليس مسؤولية الحكومة وحدها. بل مسؤولية المجتمع بأسره.
غير أن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عن مكافحة الفساد. وهي القضية الكردية.
لقد تأسس العراق الجديد بعد سقوط حكومة صدام حسين على دستور أقره العراقيون جميعًا. وقام على مبدأ الشراكة والاعتراف بالتعددية القومية والدينية والمذهبية. واعترف الدستور بإقليم كردستان وحقوقه وصلاحياته ضمن النظام الاتحادي العراقي.
لكن جزءًا مهمًا من هذه الاستحقاقات الدستورية بقي معلقًا بسبب الخلافات السياسية والصراعات على السلطة. ما أدى إلى توترات متكررة بين بغداد وأربيل وأضعف الثقة بين الشركاء في الوطن الواحد.
إن احترام الحقوق الدستورية لشعب كردستان ليس منة من أحد. ولا امتيازًا يمنح أو يسحب وفق الظروف السياسية. بل هو التزام دستوري وأخلاقي ووطني. فالدساتير لا تحترم بالتجزئة. ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا شعر أحد مكوناتها الأساسية بأن حقوقه الدستورية قابلة للتأجيل أو المساومة.
كما أن استمرار الخلافات بين المركز والإقليم يمنح المزايدين والعنصريين وتجار الأزمات فرصة لتأجيج النزاعات القومية والمذهبية. وتحويلها إلى أدوات لتحقيق المكاسب السياسية والتغطية على الفساد والفشل الإداري.
إن استقرار العراق يمر عبر بوابتين متلازمتين: محاربة الفساد و احترام العقد الدستوري الذي تأسست عليه الدولة بعد عام 2003.
ولهذا. فإن نجاح رئيس الوزراء في معركته ضد الفساد لن يقاس فقط بعدد المعتقلين أو الأموال المستردة. بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وبين مكونات العراق المختلفة. وترسيخ دولة المؤسسات والقانون.
إن العراق اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة. فإذا نجحت هذه المعركة. فسيكون البلد قد وضع قدمه على طريق جمهورية جديدة. جمهورية المواطنة والقانون والشراكة الحقيقية.
أما إذا تعثرت. فإن شبكات الفساد ومراكز النفوذ ستعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة. وسيبقى العراقيون يدورون في الحلقة ذاتها التي استنزفت البلاد طوال أكثر من عقدين.
إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة ضد فاسدين فحسب. بل هي معركة دولة تريد أن تستعيد نفسها. وشعب يريد أن يستعيد ثقته بوطنه.