سمير ميراني
لا أحد يخبر الثائر أنه صار عبئاً، لا أحد يجلس معه ويقول له: الدور الذي خلقت له انتهى، هو يكتشف ذلك وحده، من نظرة تتأخر، من دعوة لا تصله، من اسمه الذي كان يذكر أولاً ثم يذكر ثانياً ثم لا يذكر.
هنا تبدأ القصة الحقيقية، ليس في المعركة ولا النصر، تبدأ في اللحظة التي يدرك فيها صديق الدرب أنه لم يعد صديقاً، بل تحول إلى عبء.
هذا الإدراك ليس وهماً عابراً وليس شكاً يصيب القلب في ساعة تعب، إنه يلامس حقيقة جارحة عن طبيعة ما صنعه بيديه: السلطة لا تقبل شريكاً في الهيبة، المسألة أعمق من الطمع والجشع، المسألة بقاء، الجمهور لا يرى حاكمين ، الجمهور يرى مقارنة، يرى في رفيق النضال القديم مرآة تعكس ما كان يمكن أن تكونه السلطة لو لم تجلس حيث جلست.
عندما يتحول الرجل إلى صوت يذكره الناس، إلى اسم يسبق اسم الحاكم في الحكايات ، يصبح وجوده تهديداً صامتاً، تهديد لا يزول إلا بزواله، فالسلطة المطلقة لا تسكن مكاناً فيه صوتان.
كان درعاً في زمن الخطر، أما في زمن السلام فأصبح الخطر نفسه، حمل البندقية في اليد التي لا تحكم، واجه الأعداء بصدره قبل أن يواجههم بجنده، كان الحامي قبل أن تبنى الأسوار ، لكن متى يتحول الدرع إلى بندقية موجهة للداخل؟ عندما تبدأ الجماهير تذكر اسمه قبل اسم الحاكم، حين يهمس الناس أنه لولاه ما قامت السلطة، عندما يصبح صاحب الفضل الذي لا يحتمل أحد فضله، في تلك اللحظة لم يعد الدرع درعاً، إنما أصبح يشكل تهديداً وجودياً لمن صنع معهم النصر، و شريكاً في الثروة والأخطر أنه أصبح شريكاً في الهيبة.
الثورة تأكل أبناءها، ليست نبوءة شعرية إنها قانون صارم، كتبته كل ثورة بدم شركائها، التاريخ يروي الفصول نفسها بأسماء مختلفة، يأتي المشهد الأكثر بلاغة من قلب الدولة العباسية، أبو مسلم الخرساني، الرجل الذي أطاح بالأمويين من الشرق، وحشد الجيوش وفتح المدن وجاء بالعباسيين إلى كرسي الحكم على كتفيه، مهندس النصر، صاحب اليد التي لا ينساها أحد، وبعد أن تخلص منه أبو جعفر المنصور بالمكر والخديعة واغتاله في قصره، قال: “الآن انتهت أسطورة أبي مسلم، الآن تبدأ دولة بني العباس خالصة لهم من دون الناس.”خالصة لهم وليست خالصة من الأعداء، خالصة من الشركاء، فالناس يحتملون وجود العدو، والعدو يبرر السلطة ويمنحها ذريعة البقاء، أما الشريك فينفي تفردها، ويشاركها النسب الثوري وهذا ما لا يغفره أحد.
التخلص من رفيق النضال ليس نزوة غضب، وليس انتقاماً شخصياً، هذه نقطة تحول حاسمة في عمر السلطة، قتل لأي مركز قوى لا يطيعه، تصفية لهاجس تقاسم الثروة قبل الثروة نفسها، والأهم من كل ذلك إعلان نهائي بأن الحكم صار واحداً، لا يشاركه فيه من صنعه معه، هذا الفعل ليس خيانة للماضي، إنه تتويج له، تتويج قاسٍ يبدأ بالدم أحياناً، لكنه في منطق السلطة ضرورة، ضرورة لا مناص منها.
وذلك هو الثمن، ثمن لا تكتبه بيانات النصر، ولا تخطه خطابات التتويج، ثمن يدفعونه في العتمة بصمت ثم ينسونه.
تبقى السلطة وحيدة بطبعها، قد تبنى بألف يد، لكنها في النهاية لا تتسع لغير يد واحدة، ليس دفاعاً عنها، إنما تأمل هادئ في طبيعتها، طبيعة لا تتغير بتغير الأزمنة.
الذين صنعت بهم السلطة ثم صاروا خطراً عليها: هل كانوا يعرفون في لحظة النضال الاولى، أن النصر يحمل نهايتهم بين طياته؟ ربما عرفوا وربما لهذا قاتلوا بكل ما فيهم، كأنهم كانوا يوقنون أن المجد الذي يصنعونه ليس لهم، المجد للفكرة، أما الأجساد فمؤقتة، حتى أجساد من حملوا الفكرة على أكتافهم.