سراج رشيد عباس سيرة صداقة أثرها على المقاعد والمسرح والطرقات

إبراهيم اليوسف

بدأت علاقتي بالصديق سراج رشيد عباس” 1960- 2026″ منذ منتصف السبعينيات، إذ جمعتنا جدران صف دراسي واحد، كي يجمعنا مقعد واحد، فصار اللقاء يومياً، وتحولت الطرق القصيرة بين منزلينا في الشارع ذاته إلى مساحة مفتوحة للأحاديث والأحلام والخطط الصغيرة التي كان شابان في مقتبل العمر ينسجانها بثقة كاملة. كنت أخرج من بيتي كل صباح، فأمر على منزله، ثم نمضي سوية إلى المدرسة، ونعود معاً، كذلك، وبين الذهاب والإياب كان يفتح أمامي صفحات من حياته الخاصة، كما أفعل، مشاركاً إياي ما يشغل فكره، فيما كنت أجد فيه صديقاً يملك قدرة دائمة على الحلم، ويبحث عن غد أوسع من حدود القرية والشارع والحي المدينة وطبيعة المرحلة التي كنا نعيشها، ببراءة، وفطرية.

تعمقت علاقتنا- أيضاً- على ضوء علاقة قديمة بين العائلتين، إذ كان والدي يقدره على نحو خاص- كما كان يقدر الجديرين من أصدقائي بشكل عام- فامتزجت الصداقة بالمعرفة العائلية، وصارت الأيام تنسج خيوطاً كثيرة بيننا. بين الأسرتين، الأمر الذي منح تلك العلاقة عمقاً راسخاً، استمر حتى الآن.

خلال سنوات الدراسة الثانوية خضنا معاً تجربة العمل حارسين مؤقتين في مكتب الحبوب في عامودا، لحوالي أسبوعين، رغم عدم حاجته إلى ذلك، لكنه فعل ذلك ليكون معي، ولنمارس هوايتنا المسرحية، غير أن تلك التجربة انتهت سريعاً بعد قرار فصلنا من العمل، على أن نواصل دراستنا إلى مقاعد االمدرسة، من دون نسيان اهتماماتنا الأولى، وفي مقدمتها القراءة والكتابة والمسرح.

كتبت في الخامسة عشرة من عمري مسرحية بعنوان “الندامة” تناولت عالم الفلاحين والملاكين، وشكلت أول عمل أكتبه ويصل إلى الطباعة على الآلة الكاتبة، في مكتب قرب السبع بحرات، وقد وقف سراج إلى جانبي في مشاركتي في دفع تكاليف طباعة نسختين منها واحدة له وأخرى لي، فشارك في ولادة ذلك النص الذي احتفظ بمكانته الخاصة في ذاكرتي، إذ ارتبط ببدايات الكتابة وبصديق حمل معي فرحة الخطوة الأولى، رغم أن تلك المسرحية تم رفضها، من قبل القيمين على مسرح الشبيبة الراعي المدرسي المهيمن، آنذاك، لنعمل على مسرحية: استرنا الله يسترك التي كتبتها، وأخرجها الفنان فاضل بدرو، للجهة نفسها، وكانت الأكثر رمزية وخطورة، إلا أن سراجاً كان قد نقل خارج المدينة، قبل أن يتم توقيف فرقتنا المسرحية في المخفر أثناء تدريبات” الطبيب الأمي”، وكتبت عن ذلك مرات، كما حال مسرحية القنبلة التي توقفت لأجلها، وكان لكل حدث سبب ومسبب، يعرف ذلك أعضاء فرقتنا الذين لايزال أكثرهم أحياء!

قادنا المسرح إلى مرحلة أكثر اتساعاً، فالتحقنا بتدريبات فرقة اتحاد نقابات العمال- المسرح العمالي – وشاركنا في أكثر من عمل مسرحي، ومن بينها “الظلال المحرقة” وتدريبات” أحكام قراقوش”” الندامة” التي لم نفلح في تقديمها، وكانت التدريبات والانتقالات اليومية جزءاً ثابتاً من برنامجنا، فيما فرضت مواقف الأهل قيوداً متفاوتة على مشاركتنا، فتبادلنا أحياناً أدوار الحضور والغياب تبعاً للظروف، وضم ذلك الفريق الصغير سراج رشيد شويش العباس وعبدالباري فخرالدين وأنور محمد وأنا، وكانت” علاقة الصداقة المعمقة بالود والألفة والجيرة” تجمعنا قبل أن يجمعنا المسرح، ثم ننطلق معاً إلى البروفات، ونعود محملين بأحاديث الفن والكتب وما يدور في هذا العالم.

حظي عبدالباري بهامش أوسع من الحرية داخل أسرته، فاستطاع أن يواصل نشاطه المسرحي والرياضي بسهولة أكبر، فيما حمل كل واحد منا ظروفه الخاصة، وكان علينا أن نوازن بين رغباتنا وبين ما تتيحه البيئة الاجتماعية آنذاك، وهكذا بالنسبة للأصدقاء: زكي محمد ابن الشارع القريب- فواز محمود- جميل مشكاوي، من أبناء الحي، ممن لم أسمع بمنعهم من قبل ذويهم من ممارسة الفن.

اهتم سراج إلى حد ما، بالكتابة أيضاً، بلغة بسيطة، ضمن حدود معينة، فنشر عدداً من المقالات، وكتب قصائد غزلية، وأذكر منها قصيدة حملت عنوان “فيوليت”، كما امتلك قدرة جيدة على التحدث باللغة السريانية، الأمر الذي أضاف إلى شخصيته الثقافية بعداً آخر، وجعل فضوله يتجاوز حدود لغة واحدة.

شهدت سنوات الدراسة منعطفاً آخر، إذ تسلط عليه أحد إداريي المدرسة، نتيجة: إبائه، فانتهى الأمر بنقله إلى مدينة تربسبي، لأغادر أنا الآخر، مكرهاً، مقاعد المدرسة، وأختار متابعة الدراسة الحرة، وقد دفعتني إلى ذلك ظروف متشابكة ارتبط جانب منها بانشغالي بالمسرح، وارتبط جانب آخر بتعامل إداريين فرضوا أجواء ثقيلة على حياتنا الدراسية: هو وأنا، كل لسبب، فواجه كل واحد منا تجربته الخاصة مع تلك المرحلة، غير أن التواصل بيننا بقي قائماً، واستمرت زياراتنا المتبادلة، واستمرت أخباره تصلني باستمرار، بعد انشغاله بالزراعة في قريته مسقط رأسه: أبو حجير!

استهلت الزراعة حيزاً واسعاً من وقته، وانشغلت أنا بطريقي بالدراسة والتدريس بالكتابة والسياسة، غير أن خيط الصداقة بقي حاضراً، راسخاً، إذ بقي سراج قريباً من الذاكرة اليومية، بل في عمقها، حتى جاءت سنوات الهجرة، فالتقينا مجدداً في إحدى مناسبات عائلة آل عباس، واستعدنا ساعات طويلة من الذكريات، واستحضرنا تفاصيل الشغب البريء، وأيام المسرح، والمشاكسات، والطرق التي كانت تقودنا إلى البروفات، والمسافة القصيرة الفاصلة بين منزلينا، لتبدو السنوات أقل من أن تزحزح تلك الصور من مكانها.

خلال انشغالي بالإعداد لكتاب عن مسرح قامشلي في مئويته، ورغبتي في أن يضم شهادات أبناء تلك المرحلة، توجهت إلى سراج بطلب مباشر وقلت له: “اكتب لي شهادتك”. ابتسم بهدوئه المعهود، ثم أجابني: “أنت الشاهد فاكتب عني”. احتفظت بتلك الجملة، وقررت منذ تلك اللحظة أن أتولى كتابة شهادته بنفسي، اعتماداً على ما عشته معه، وما رأيته بعيني، وما بقي راسخاً في ذاكرتي منذ أيام الدراسة والمسرح والطرقات المشتركة. مضت الأيام، وبقيت الكتابة مؤجلة ضمن جدول أعمالي، ثم سبق الرحيل موعدها، فصارت تلك الكلمات آخر تكليف تركه لي صديق عرف تفاصيل تلك البدايات، ووجدتني أكتب الشهادة التي أرادها، وقد غاب صاحبها عن قراءتها.

فرض المرض إيقاعه على حياته خلال السنوات الأخيرة، فصار اللقاء المتواصل دون سقف الأمنيات والرغبات، ومع ذلك بقيت الرغبة في استعادة الأيام القديمة حاضرة في كل حديث يجمعنا، إذ كانت الذاكرة تستدعي أسماء الأصدقاء. الجيران. المغامرات، وأعمال المسرح، والبدايات الأولى، وتفاصيل المدينة التي صنعت مرحلة كاملة من أعمارنا.

اختار سراج، قبل حوالي عشرة أيام، أن يقضي إجازة في قامشلي، رغبة في استعادة مواسم العمر الأولى. مواسم الحصاد والصيف وعالم الفلاحين والملاكين، والاقتراب مرة أخرى من الأماكن التي احتضنت طفولته وشبابه، رغم التحولات التي أصابت ممتلكات العائلة بعد أن تسلط عليها نظام البعث، ورغم ما بقي منها بعد سنوات طويلة من التغيرات. توجه صوب مسقط رأسه، حاملاً معه برنامجاً لزيارة الأقارب والأصدقاء والأماكن، غير أن موجة الحر والإجهاد أثرا في قلب أنهكته تجربة عملية القلب المفتوح التي أجراها في إسطنبول، ثم عاش بعدها مع بطارية قلب رافقته حتى أيامه الأخيرة. هناك استغرق في نوم عميق ثلاثة أيام أو أربعة، كي يتوسد تراب تلةعاصمة- أجداده- دوكر، والتي دفن فيها جدي حسن الشيخ إبراهيم- جد أولاد عمه، وبقي جدول زيارته مفتوحاً، فيما سبقت الرحلة الأخيرة كل المواعيد التي أعدها.

وصلني خبر رحيله كصدمة ثقيلة، إذ غادر واحداً من أقدم أصدقاء الصبا، ورفيقاً شاركني مقاعد الدراسة، وطريق المدرسة، والعمل الأول، والكتابة الأولى، والمسرح، والقراءة، والروابط العائلية، وأحاديث تصدرت بوابة أو عمق الذاكرة عبر نصف قرن تماماً. أجل، لقد بقي سراج عباس في ذاكرتي اسماً يرتبط بمرحلة التكوين، وبجيل حمل أحلامه على كتفيه، وسعى إلى أن يمنح الفن والكتابة مساحة داخل حياته اليومية، ولهذا تغدو استعادة سيرته جزءاً من توثيق زمن كامل، بقدر ما تغدو وفاءً لإنسان رافق بدايات العمر، وترك أثره في ذاكرة أصدقائه وكل من عرفه.

قد يعجبك ايضا