دلزار اسماعيل رسول
الجزء الثاني
في تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين الصحو والمنام، حيث لا ليل يفرض عتمته بالكامل ولا نهار يعلن وضوحه القاسي، تولد في داخلي لغة أخرى. تأتيني الكلمات في فيضٍ عجيب، مزيجٌ ساحر بين جزالة الشعر وحرية النثر، كلمات تتجاوز بعمقها وبلاغتها معلقات الأقدمين ونتاج عظام الأدباء.
العجيب أنني لا أشعر بغربتها؛ بل تبدو لي كأقرب المقربين، كأنها ذكريات من أزمنة غابرة انزاحت عن وجهها غشاوة الاغتراب، فصار كل شيء بيني وبينها مباحاً، بلا وسيط، ولا وشيجة، ولا وصال مادي. في تلك اللحظات الخاطفة، أشعر بأن من يحيطون بي في عالم اليقظة هم الغرباء، وأن تلك الحالة، وتلك الكلمات، هي السكن والأهل والملاذ.
لكن المأساة تبدأ مع أول بازغة استيقاظ… ومع أول شعاع نور يقتحم خلوتي، تتسرب تلك الأفكار كلها بين فتحات فكري كرمالٍ ناعمة لا يمكن الإمساك بها، لتتركني في حيرة تشبه تماماً حيرتي الكبرى في واقعي.
طيفٌ لا يُطال
هذه الحالة العصية على الاصطياد، هي المرآة الصادقة لحياتي معها. تلك المرأة التي تسكن تفاصيلي، والتي أعيش في محراب حبها…. حيرة رجل أدماه السعي. إنها تشبه تلك الكلمات الفجرية تماماً؛ قريبة إلى حد الالتصاق بروحي، وبعيدة إلى حد الاستحالة في عالم الواقع.
لقد حاولتُ مراراً وتكراراً، قطعتُ الفيافي وقدمتُ التضحيات، وعشتُ معاناةً لا تتسع لها سطور، بحثاً عن طريقٍ يصلني بقلبها أو يجمعني بظلها، لكنني في كل مرة أجد نفسي أقف أمام جدارٍ من الضباب. كلما ظننتُ أنني اقتربتُ خطوة، تلاشت المسافة وأعادتني إلى نقطة الصفر، وكأنها فكرة عبقرية ولدت في هجعة ليل، ثم تبخرت مع مطلع الشمس.
بين الغياب والحضور
إنها حيرة الرجل الذي يرى في المحبوبة وطناً وسكناً وسط عالمٍ يشعر فيه بالغربة والوحشة. ألتفت حولي فأرى الوجوه مألوفة لكنها غريبة عن أعماقي، بينما هي الغائبة الحاضرة، البعيدة المنال ، تبدو لي الأهل والعشيرة.
كيف لروحٍ أن تنتمي بوفاءٍ مطلق لما لا تستطيع لمسه؟
كيف أتحرر من حب امرأة كلما حاولتُ صياغته في واقعي، تسرب من بين أصابعي كما تتسرب كلمات الفجر السحرية؟
أظل هكذا، رجلاً حائراً يكتب يومياته بحبر الشوق والمعاناة، معلقاً بين ليلٍ يمنحه الدفء والاتصال الروحي الخفي، وبين نهارٍ يسرق منه الكلمات… ويسرق منه المرأة التي لم يجد إليها سبيلاً….