نهاد الحديثي
لم يكن وصول علي فالح الزيدي إلى رئاسة الوزراء في العراق حدثا سياسيا عابرا، بل جاء في لحظة دقيقة من تاريخ الدولة العراقية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية، وتتداخل حسابات الأحزاب مع مطالب الشارع الساعي إلى إصلاح حقيقي طال انتظاره.فبعد إنتهاء الجدل السياسي وتأثير شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة لاختيار رئيس للوزراء، وجد العراق نفسه أمام تجربة حكومية جديدة رفعت كسابقاتها شعار الإصلاح ومكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة. إلا أن الطريق الذي اختاره رئيس الوزراء الجديد يبدو أكثر وعورة مما قد يظهر في الخطابات الرسمية، لأن معركته لا تقتصر على إدارة الدولة، بل تمتد إلى مواجهة منظومة نفوذ متجذرة تشكلت خلال أكثر من عقدين.
فمنذ توليه المنصب، جعل الزيدي من مكافحة الفساد عنوانا رئيسيا لمشروعه الحكومي، معتبرا أن أي إصلاح اقتصادي أو إداري لن يكون ممكنا ما لم تُواجه شبكات الفساد التي استنزفت موارد الدولة العراقية لعقود. غير أن خصوصية الحالة العراقية تجعل من هذا الملف أكثر تعقيدا من مجرد إجراءات رقابية أو حملات قضائية، فالفساد في العراق لم يعد ظاهرة إدارية منفصلة، بل أصبح جزءا من بنية النظام السياسي والاقتصادي نفسه.
فخلال السنوات الماضية نشأت منظومات متشابكة من المصالح تربط بين مسؤولين ودوائر حكومية وأحزاب سياسية ومجموعات اقتصادية نافذة، الأمر الذي جعل الكثير من المؤسسات تعمل وفق منطق النفوذ أكثر من منطق الدولة. ولهذا فإن أي محاولة جادة لفتح ملفات الفساد الكبرى تعني بالضرورة الاقتراب من مراكز قوة تمتلك نفوذا سياسيا وبرلمانيا وإداريا واسعا، وهو ما يفسر حجم الحذر والترقب الذي يرافق خطوات الحكومة الحالية.فإن كانت معركة الفساد تمثل المواجهة الاقتصادية والسياسية الكبرى، فملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل الاختبار الأمني الأكثر حساسية أمام حكومة الزيدي. فالعراق يعيش منذ سنوات ضمن معادلة أمنية معقدة تشارك فيها المؤسسات الرسمية إلى جانب قوى وفصائل مسلحة تمتلك حضورا سياسيا واجتماعيا وعسكريا مؤثرا. ورئيس الوزراء من جانبه ـ يرى ـ أن بناء دولة قوية وقادرة على فرض القانون يتطلب احتكار المؤسسات الرسمية لاستخدام القوة المسلحة، باعتبار أن تعدد مراكز القوة الأمنية يضعف سلطة الدولة، ويقوض مشروعها الإصلاحي. لكن هذه الرؤية تصطدم بحسابات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث تنظر بعض القوى إلى هذا الملف باعتباره مرتبطًا بالتوازنات التي نشأت بعد عام 2003، وهو ما يجعل أي تحرك حكومي في هذا الاتجاه موضع متابعة دقيقة من مختلف الأطراف.
فالزيدي ـ يعول على خبرته الاقتصادية في إطلاق إصلاحات مالية وإدارية تهدف إلى جذب الاستثمارات وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الحوكمة الرقمية، وتحسين بيئة الأعمال، إلا أن نجاح هذه الخطط سيبقى مرتبطا بمدى قدرة الدولة على الحد من الفساد واستعادة كفاءة مؤسساتها.
فالرجل الذي وصل إلى السلطة على قاعدة التوافق يجد نفسه اليوم أمام اختبار مختلف تماما، يتمثل في قدرته على تحويل شعارات مكافحة الفساد وحصر السلاح إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وكلما اقتربت الحكومة من الملفات الأكثر حساسية، ازدادت احتمالات تعرضها لضغوط سياسية من أطراف ترى في مشروع الإصلاح تهديدا مباشرا لمصالحها ونفوذها.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة ليس فقط لمستقبل حكومة الزيدي، بل لمستقبل الدولة العراقية نفسها. فإما أن تنجح بغداد في فتح صفحة جديدة عنوانها دولة المؤسسات وسيادة القانون، وإما أن تستمر دوامة التوازنات التقليدية التي عطلت مشاريع الإصلاح لعقود.. وبين هذين المسارين، يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاته السياسية حساسية منذ سنوات، حيث لم تعد المعركة تدور حول من يحكم، بل حول طبيعة الدولة التي يريد العراقيون بناءها في المستقبل.
نفذت القوات الامنية حملة مداهمات واعتقالات داخل المنطقة الخضراء في بغداد، استهدفت عدداً من الشخصيات السياسية والنيابية على خلفية تحقيقات تتعلق بملفات فساد.وقالت المصادر إن الحملة جاءت استنادًا إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي خلال التحقيقات الجارية، مشيرةً إلى أن من بين الموقوفين رئيس أحد التحالفات السياسية، إلى جانب عدد من أعضائه وشخصيات سياسية أخرى.وأضافت المصادر أن الاعتقالات شملت أيضاً نواباً حاليين وسابقين ورجال أعمال، فيما أُغلقت مداخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع تنفيذ العمليات الأمنية، التي جرت بشكل متزامن في عدة مواقع داخل المنطقة المحصنة.
,, وبحسب المصادر، فإن الإجراءات القضائية بحق النواب جاءت بعد استحصال الموافقات القانونية اللازمة لرفع الحصانة عن عدد منهم، مؤكدة أن الحملة لا تزال مستمرة بانتظار صدور بيان رسمي من الجهات القضائية المختصة يكشف تفاصيل القضية وأسماء المشمولين بها,, وتأتي هذه الإجراءات المشددة غير المسبوقة، بالتزامن مع تواتر الأنباء عن صدور قائمة ملاحقات قضائية موسعة تستهدف مسؤولين بارزين، وعناصر حمايات، ورجال أعمال على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع وهدر المال العام.
ويتساءل العراقيون – هل اقتربت ساعة محاسبة “الحيتان” بعد سقوط مسؤولين متهمين بالفساد؟ وفي ليلة توصف بأنها الأكثر سخونة قبل دخول تموز، تضاربت الروايات بشأن عدد المعتقلين داخل المنطقة الخضراء، وسط حديث عن توقيف نواب ومسؤولين كبار، فيما بقيت المعلومات الرسمية مقتضبة، مقابل سيل من التسريبات التي ملأت منصات التواصل الاجتماعي., غير أن هذه الحملة الجريئة لم تخلُ من هواجس شعبية وسياسية أبدت خشيتها من أن تقتصر الإجراءات على ملاحقة “السمك الصغير” (الزوري) دون المساس برؤوس الفساد الكبيرة، أو أن تكون مجرد غطاء لتصفية حسابات سياسية.
حملة بدأت قبل الفجر, وتزامنت الحملة مع ما بات يعرف بـ”اتفاق حزيران” بين رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ومبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو تزامن دفع كثيرين إلى ربط الإجراءات الأمنية بمسار سياسي أوسع يتجاوز ملف الفساد
وبحسب التسريبات المتداولة، فقد ضمت قائمة المعتقلين أو المطلوبين شخصيات قريبة من رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، من بينها محمد الصيهود، شيخ عشيرة السوداني، وعالية نصيف، وبهاء نوري، وحسنين الخفاجي، وعلاء سكر، والمستشار السابق إبراهيم الصميدعي. كما تداولت مصادر معلومات عن اعتقال محافظ واسط السابق محمد المياحي، ومحافظ بابل السابق صادق مدلول، والنائب ياسر إسكندر، وهم أيضاً من الشخصيات التي ارتبطت سياسياً بفريق السوداني. وترددت كذلك أسماء عباس السوداني، شقيق رئيس الوزراء السابق، وعبد الكريم السوداني، رئيس مكتبه السابق، وسامي السوداني، المستشار السابق للحكومة.كما انتشرت وثيقة قيل إنها تتعلق باعتقال علي معارج، وكيل وزير النفط، الذي كان مرشحاً سابقاً لتولي الوزارة قبل إدراج اسمه ضمن القوائم الأميركية.ولم تُشر المعلومات إلى اعتقال أي من المنتمين إلى الفصائل المسلحة في الحملة
يعيش الشارع العراقي هذه الايام على وقع طبول حرب غير تقليدية، حرب لا تُخاض بالرصاص في ساحات المعارك، بل بالملفات والوثائق داخل أروقة المحاكم وبوابات السجون. الحملة الشرسة التي يقودها رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي لمكافحة الفساد، لم تعد مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى قضية رأي عام تمس القوت اليومي للمواطن العراقي البسيط الذي أنهكته الأزمات. بين وعود التغيير الجذري وخيبات الأمل المتراكمة منذ عقدين، يطرح العراقيون الأسئلة الأكثر إلحاحاً وعمقاً: إلى أين ستصل هذه المقصلة؟ ومن سيُساق إليها في النهاية؟
لم تعد عمليات مكافحة الفساد تقتصر على ملاحقة الرشاوى الصغيرة، بل انتقلت إلى مواجهة “السرقات المبرمجة والهيكلية” التي تستهدف عصب الدولة المالي.
الأموال التي تم إحباط سرقتها مؤخراً: تمكنت الأجهزة الرقابية، بإشراف مباشر من حكومة الزيدي، من إحباط محاولات اختلاس وسحب غير قانوني مرعبة تجاوزت المليار دولار (ما يعادل أكثر من تريليون ونصف دينار عراقي) كانت قيد التنفيذ في مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين. المأساة تكمن في المقارنة؛ فالمبالغ المستردة أو المحمية حتى الآن، رغم ضخامتها، لا تشكل سوى 1% من إجمالي الأموال المنهوبة منذ عام 2003، والتي تقدرها أوساط برلمانية ودولية ما بين 150 إلى 300 مليار دولار طارت إلى عواصم العالم عبر السيناريو المقلق: هل تلامس الحملة “الرؤوس الكبيرة” أم تقف عند حدود “الأكباش”؟
هذا هو السؤال المتداول الذي يشغل المقاهي والبيوت في بغداد والبصرة والموصل. هل يمتلك الزيدي القدرة السياسية والغطاء الدستوري لكسر “الفيتو” المفروض على حيتان الصف الأول؟إذا استمر هذا الزخم دون تراجع، فإن الحملة مجبرة بنيوياً على الاصطدام برؤساء كتل سياسية وزعماء أحزاب، لأن المدراء العامين والمعتقلين الحاليين ليسوا سوى “أدوات تنفيذية” لزعامات سياسية تتلقى العمولات الكبرى. فتح ملفات “عقود الحكومات السابقة” يعني تلقائياً وضع قادة الصف الأول في دائرة الاتهام.
فرضية “الزوبعة والتسوية السياسية” يخشى المواطن أن تنتهي القضية بالتضحية بـ”صغار الحيتان” وموظفي الدرجات الخاصة كأكباش فداء، بينما تُعقد خلف الكواليس “صفقات تسوية” تضمن عدم مساس الخطوط الحمراء لزعماء الأحزاب الكبيرة، خوفاً من أن يؤدي انهيار أي رأس كبير إلى انهيار المعبد السياسي بأكمله فوق رؤوس الجميع.